113 47

113 47

جاء المجاهد المناضل الزاهد الورع التقي، رائد الجهاد الإسلامي على ساحة الجهاد والقتال، جاء والعالم كله في ظلام، وقد مدّ الاستعمار الغربي والروسي نفوذه في جميع البلاد الإسلامية وبدأوا يتدرّجون لمحو كل ما يمت بالإسلام من صلة، وقد خيم اليأس القاتل على المصلحين والمربين، وأعياهم إصلاح ما أفسده المستعمرون والمفسدون، وأصبح العلماء بعد أن غلب عليهم اليأس قابعي زوايا المدارس والمساجد وأصبحوا كجزر صغيرة لا يصلح إلا من أوى إليهم من الغرقى إلى جزيرتهم الصغيرة. وهكذا كانت البلاد تسير رويداً رويداً نحو الإلحاد والكفر، والمسلمون يذوبون في بوتقة هذه التيارات الإلحادية كما يذوب الثلج أمام وهج الشمس عن شعور ولا شعور. وأصبح الجهاد في غير جهاد، والنضال في غير عدوه، فحروب طائفية طائشة تأكل الرطب واليابس؛ أخ يقتل أخاه بذريعة أنه ينتمي إلى القبيلة الفلانية، وآخر يقتل أخاه ليبتز أمواله ويمتص ممتلكاته دون أن يردعه رادع أو قانون، فوضى في المملكة، والناس حبلهم على غاربهم، لا يأمن الناس على أموالهم ودماءهم وأعراضهم.
رأى هذا الرجل العبقري أن المجتمع يسير سيراً حثيثاً نحو الانحلال والدمار، رأى أن رجال الحكومة قد احتكروا القدرة واغتصبوا أموال الناس، وقد فشى فيهم الفساد. والدول الإقليمية وأذرع الشر تتفنن في إضلال الناس وإثارة الفتن بينهم لتصطاد في الماء العكر، وليسهل لها أن تعيث في الأرض الفساد. رأى كل ذلك فثارت حميته الدينية ونبض فيه العرق الفاروقي، فجلس على حسك السعدان وبدأ يفكر في الإصلاح والتغيير الجذري.
 ولكن من أين يبدأ؟
 هل هؤلاء الذين احتكروا القوة يفقهون لغة الدعوة؟
 هل لهم آذان صاغية وقلوب واعية؟
 تُرى! كيف يصلح من مات قلبه، وكيف يعي الدعوة من نفدت فيه الحاسة الدينية، وكيف يفهم من طبع على قلبه ولا يعرف إلا القسوة والعنف، هناك عرف الداء وشخص الدواء، عرف أن هذا المجتمع الفاسد برجاله وحكومته ومكوناته لا يصلحه إلا السيف، إلا الجهاد، فهتف بالجهاد فالتفّ حوله نخبة من المخلصين لا يبغون إلا إصلاح ما أفسده الناس.
بدأوا الجهاد وهم لا يملكون إلا الإخلاص، ففتحوا هذه البلاد المتشاحنة المترامية الأطراف في مدة قصيرة، وأخضعوا رقاب الجبابرة وقطاع الطريق بإخلاصهم وإيمانهم القوي وطموحهم وهمتهم العالية، فتكوّن ذلك المجتمع الإسلامي النموذجي الذي كانت العيون ترنو إليه منذ قرون، مجتمع   كأنه نسخة صادقة من العهد الفاروقي والراشدي.
 فانتهت السرقة، وكان الناس يذهبون لأداء صلاتهم ودكاكينهم مفتوحة، يقطعون مسافات بعيدة دون أن يعترض أحد أموالهم وممتلكاتهم. أما الرشوة والربا و… فلا مجال لها في الحكومة، مجتمع فريد من نوعه لم يعهده العالم منذ أمد بعيد.
 مجتمع حيّر عقول كبار المفكرين الغربيين الذين ينفقون ملايين الدولارات لتوفير الأمن فيكون الإخفاق حليفهم!
ولكن هل يرضي ذلك طواغيت العصر، وفراعنة الزمان؟
هل ترضى أمريكا وأوربا؟
وهل يرضى اليهود والنصارى وأذرع الشر أن تكون للمسلمين حكومة إسلامية توحد كلمتهم وتصبح نموذجاً في الحكم الإسلامي؟ كلا وألف كلا!
وبدأت المؤامرات تحاك ضد الإمارة الإسلامية، فمرة يُرمَون بالإرهاب، وأخرى بالرجعية، وتارة بأنهم يتشددون في الأحكام، وقد أجلب على الدولة الإسلامية الفتيّة شياطين الجن والإنس بخيلهم ورجلهم، بإعلامهم وأقلامهم وألسنتهم وقلوبهم الحاقدة، أجمعوا على ألا يكون لهذه الدولة وجود في الأرض، فدخلوامن باب الإغراء، وأرادوا أن يستميلوا رجال الدولة وأميرها بأموالهم الطائلة وترغيباتهم الخلابة، ولكن إخلاص الأمير وعبقريته الفذة كان أعلى من أن يغريه مال الدنيا التافهة، ودخلوا من باب التهديد واختلاق العلل الواهية، وجاءت أمريكا بخيلها ورجلها، ولم تترك أرضا إلا قصفتها، فانسحب المجاهدون، ولكن هل هو انسحاب كلي حقاً؟، كلا إنه فر يتلوه كر. وما إن ظنت أمريكا أن الأمر استكان لها بتشتيت تجمعات المجاهدين إلا بدأ الجهاد بكل قوته يدك معاقل المحتلين دكاً، ولا يذر منهم صغيراً ولا كبيراً، فاندهشوا حينها؛ ما هؤلاء، أعفاريت أم جنس آخر من الإنس، لم نترك من مدرعاتنا الحديثة شيء إلا استعملناه، ولم نترك جزء من أرض أفغانستان إلا قصفناه وقتلنا أهله.
 كانت أمريكا تحلم أن تقضي على وجود المجاهدين في أرض أفغانستان بالكامل خلال عامين فقط، وهاقد مضى 14 عاماً وأمريكا تخرج من هذه الأرض مخذولة، تجر أذيال الخيبة والهزيمة النكراء.
فهنيئا لك يا ملا عمر، هينئا لك هذا الجهاد، وهنيئا لك هذا الصمود، وهنيئا لك هذا الطموح والهمة، لقد ركّعت أكبر جبار في الأرض وأنت لا تملك إلا جسدك النحيل، حقاً إن قوتك كانت بإيمانك وإخلاصك وبالملائكة الذين شهدوا معك المعارك.
إن القلم يا ملا ليعجز أن يصفك، ولو جاء بأضخم الألقاب أفخم التعابير، ومن ادعى أنه كتب عنك وأجاد قلمه في وصفك فقد كذب والله، وإن اللسان ليعجز أن يصفك، ومن ادعى أنه وصفك بلسانه وأن كلامه أدى حقه فيك فقد كذب والله.
يا تاريخ! ليس لك أن تدعي أنك سجلت في طياتك مفاخر الملا وأنك وصفته حق الوصف، إنك لن تقدر أن تصفه حق الوصف، فلا تتعب نفسك.
يا زمان! لا تحلفن أنك ستنجب مثله، كلا وألف ألف كلا! لن تأتي بمثله.
يا أمير المؤمنين! إنك اقتفيت أثر جدك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فصدق اسمك مسماك، حكمت فعدلت، فنم رخي البال مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. إن أتباعك سائرون على دربك، ويحققون إن شاء الله أمنياتك، وقد بايعوك أن ألا يتركوا في أرضك من المحتلين إلا وقتلوه إلى آخر رمقهم. فنم مرتاحا رخي البال.