mountains

mountains

ترجّلَ أخيرا -والموت حقّ، وكلّ نفس ذائقته- فارسٌ من فرسان الأمّة المسلمة، وبطلٌ من أبطالها وليثٌ من ليوثها، وأسدٌ من آساد النضال، وعبقريٌ من عباقرة الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر.

ترجَّل مَن عاش حرّا، كريماً، أبياً، عزيزاً، وفي نفس الوقت غريباً لعيشه في عصر ليس عصر الرجولة والمرؤة.
تألّمنا، بل كلّنا ألمٌ برحيل مَن ترعرع على سلاح الفريضة المقدسة، ومَن عشق الرّوحة والغدوة في سبيل الله تعالى، ولزم التغبّر بغبارعجلات الدراجات والسيارات في أرض الرباط والجهاد، وحَنَّ إلى الشهادة حنين عبيد الصليب لكؤوس الخمر، وطلب وطيس الحروب والمعارك بغية الحُسنى المفضّلة عنده وعند جميع فرسان المعارك، وآنس زخّات الرصاص، ودويّ الصواريخ والمتفجرات.


ودّعَنَا العالم الذي أحبّ أن تكون حياته جهاداً، وغايته إعلاء كلمة الله في مشارق الأرض ومغاربها، وبطل الهيبة والمهابة الذي نصر بالرعب، وهابه الجلساء وخافه الأعداء. ترجّل مَن حكم فعدل، و مَن عاش فزهد في الدنيا وزخارفها، ولم يركن إلى المغانم والمناصب والقصور وزخارف حياة الدنيا ومغرياتها، بل فضّل أن يعيش في الكهوف والمغارات مرة ويلجأ إلى كوخه المتواضع لجوء الأسد مرة أخرى، ليتحدّى من أرض الغزاة والفاتحين أحفاد القرود وعبيد الصليب، وليوقعهم في منقلب ومستنقع، وليلقّنهم درس الهزيمة التي سجّلها التاريخ إلى الأبد، وليتحدّى من تلك الغرفة المتواضعة البسيطة التي هي أشبه بعرين ليث، رؤساء العصبة المجرمة الداعمة للكيان الصهيوني والكيانات الباطلة الفاسدة المسيطرة على الأمّة المسلمة. ذهب الفارس الذي أحيا في الأمّة الأمل بالعزّة والحرية والاستقلالية، وأعاد فيهم حُلم الإمارة الإسلامية وشرارة فريضة كادت تنسى على مرّ الزمان، وتغيب في  متاهات التاريخ. فلولا شجاعته، ولولا نخوته، ولولا حميته الدينية، ولولا غيرته الإيمانية، ولولا إيمانه بالله وثقته بوعد الله، ولولا نظرته الزاهدة في متاع الدنيا، ولولا إيوائه المجاهدين المهاجرين في وطنه بعد فضل الله تعالى؛ لمَا شهدت الأمة الانتصار الباهر في بلاد الرافدين الذي حققه فريق من المجاهدين بهزيمتهم الولايات المتحدة شرّ هزيمة، ولما شهدت الأمة هذه العزة والصحوة وكسر حواجز الخوف في كل قطر من أقطار العالم الإسلامي، ولمَا شهدت الأمّة هذه الثورات ضد الجبابرة والطغاة، والتي سوف تحقق حُلم كلّ مؤمن ومسلم بإذن الله تعالى، وحُلم جميع مّن قضوا نحبهم لإعلاء كلمة الله وعودة شوكة الإسلام والمسلمين.
رحل علمُ الجهاد الإسلامي وزعيم المجاهدين الذي علّم العالم أنّ الجهاد ليس حربا لمغنم ولا منصب، بل هي حرب لغاية عظيمة مقدّسة، وهي حرب لشوكة دين الإسلام والمسلمين، وكسر شوكة الكفرة والفاسقين.

رحَل نجمٌ سطع في عصرنا من سلالة الغزنوي، ليهدّم تماثيل “بوذا” دون أن  يرفع طرفة عين إلى تلك الإغراءات التي تكفي واحدة منها للخيانة ألف مرة في عصر تتغلب فيه المادة وأهواء النفس، ليهدّمها رافضا بيعها بجملته المشهورة الخالدة التي قال فيها: “والله لأن ينادى عليّ يوم القيامة بـالملاّ عمر هادم الأصنام، أحبُّ إليّ من أن ينادى علي بملا عمر بائع الأصنام”.

فارقَنا من أحيا فينا من جديد معاني الجهاد والإخلاص والعزة والغيرة والنخوة، وعلّمنا كيف تُبنى الإمارة (الإسلامية) في قلوب الناس قبل أن تصبح واقعا على الأرض، ومن تحدّى كافة الجمهوريات الكاذبة والديموقراطيات المزيّفة في العالم الإسلامي.
رحل من عاش غريباً، ومات غريباً، وجاهد في الله حق جهاده، وبقي عابداً زاهداً في الدنيا، ولم يتنازل عن مبادئ الشريعة الإسلامية وعن القيم الشرعية قيد أنملة.

رحل مَن بوفاته فقدنا مجاهداً وزعيما كبيراً، خاض ملحمة تاريخية ضدّ أكبر الحملات العسكرية الصليبية لاحتلال أفغانستان وسائر البلاد الإسلامية، قائلا: “إن إمريكا وعدتنا بالهزيمة، والله وعدنا بالنصر، فسننتظر أيّ الوعدين ينجز أولاً”.

رحل مَن كان قدوة المجاهدين في شدّته على الكفار ورحمته على المؤمنين، وشراسته على محتلّي بلاده، وفي صلابته بالتمسك بالشريعة الإسلامية وبقيم الإسلام السامية، وتجنّبه استباحة دماء المسلمين، والغلو والتطرف والتكفير.

كان مجاهداً فيهم حكيما..  وينهـى عن مقاتلـــة بعسْـفِ

وعن طيشِ الجهول وعن غُلـوّ..  تدثّـر بالجهاد بلبْس زيـْفِ


نعم! ترجّل الفارس البطل، أسد الأمة المسلمة، وزعيم أوّل إمارة إسلامية تمرّدت على الكفر والفسوق والعصيان في عصرنا؛ أمير المؤمنين المجاهد الملاّ محمّد عمر رحمه الله تعالى رحمة واسعة. محظوظ من يرحل مثل المجاهد الملاّ محمد عمر، محظوظ من يترجّل مثله ترجّل سيف الله  خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه. إنّه ترجّل شامخا، كريما، أبيّا.


به الأفغانُ قد عزّت فصارت.. تدكُّ معاقل الأعدا بخسْف
تجلّت عــزّة الإسلام فيهِ.. كعـزِّ الأولينَ بكلّ حرْفِ
ولما خـطّ بالأفغان دربــا.. إلى العلياء مقرونا بسـيْفِ
ترجّـل شامخا فالموت حــقُّ.. وآجال البريـّة مثل قطْـفِ

*الأبيات للداعية الكويتي حامد العلي*