boudda

boudda

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وخاتم النبيين، وآله وأصحابه، والذين اتبعوهم واقتدوا بهم قولاً، وفعلاً، وعدلاً وإحساناً. وبعد،

الكتابة عن مجدّد العصر، ومحطم الأصنام، وحامي حمى الإسلام، مأوى اللاجئين والمستضعفين، أمرٌ مرهقٌ للغاية، وممتع للغاية أيضاً.

فمن الصعب أن تكتب عن رجل أنت تعلم أنه مثلك تماماً، يتحدث كما تتحدث، يتنفس كما تتنفس، يتألم كما تتألم، ثم تُفاجأ بهذا الكمّ الرهيب من المواقف والأحداث التي تجبرك على الوقوف عندها إجلالاً واحتراماً وتأملاً.

المدهش أكثر أن هذا الفكر الراقي، والنضوج العقلي، والحنكة الميدانية، والبسالة والإقدام، يحدث في سن صغير – غالباً في العشرينات- بصورة من الصعب جداً أن يصل إليها شبابنا في عصر عرف بأنه عصر العلم والتكنولوجيا وتوافر المعلومات ونقل الخبرات، إلا من شاء ربك وقليل ماهم.

فإنني ترددت طويلاً قبل الكتابة عن محطم الأصنام، أميرنا وأمير المؤمنين، ولم يكن ترددي لشيء إلا أنني قد تمثلت صور هذا البطل العظيم، فرأيت جبالاً شامخات وأعلاماً ومنارات عظيمة شاهقة، فوقفت أرمقها وأتطلع إليها متضائلاً منكمشاً، فأصابتني هيبة شديدة، وإجلالاً عظيماً لهذا الرجل، شخصت عندها الأبصار، وانعقدت إزاءها الألسنة فرأيتني أحملق في تلك القمم لا يريد بصري أن يزول أو يحول، ورأيتني وقد خرس مني اللسان، وتعسر النطق بفمي، فلم أستطع الإفصاح أو الإبانة عن تلك المعجزة الإلهية في هذا العصر، عصر الظلامات المتراكمة. فلا تقل الملا عمر؛ بل إنه عَلَم البسالة والصدق والوفاء، يمشي بين الناس متشخصاً في ذلك الرجل العملاق.

ولاتقل هذا الملا عمر؛ بل إنه سفينة العدل تشق عباب الظلم وتلاطم أمواج الضلال؛ لأنه عرف بأن العدل أساس الملك.

من عفّ عن ظلم العباد تورعاً    ***   جاءته ألطاف الإله تبرعاً

و لاتقل هذا الملاعمر؛ بل قل: إنه جبل الزهد الصادق يتحرك بين الناس، ولولا رحمة تُقلُّه لانصدع فوق رؤوس اللاهين والمعرضين. إنه حقاً قمة شامخة، وجبل راسخ، وعلم بل أعلام على الطريق.

أواه! من أنا حتى أملأ عيني بهذا البطل العظيم ومواقفه؟ يحول بيني وبين النظر إليك ذلك الجهاد الطويل الذي قضيت فيه حياتك.

أيا أميرالمؤمنين! كيف أطاقت نفسك حمل هذه الجبال من الجهاد الطويل، والمثابرة والتضحيات. أيا بطل! أيا بحر! كيف بالله أنظر إليك؟ من أي الجوانب آتيك وأنت متلاطم الأمواج تقذف بالبطولات والأمجاد؟

أميُر الأسْدِ في آسـاد (كابلْ) *** أقام الدين بالهيْجــا يُحــِـق

وملاّ في مواكبِهِ ليــــوثٌ *** من (البشتـونِ) إيمانٌ وصـدقُ

لقد حاولت أن أرسم صوراً تذكارية لهذا البطل العظيم أنظر إليها كلما هاجني شوق إلى ذكراه العطرة. فقد تحدث عنه وعن مواقفه العظيمة العلماء والمشايخ والصحفيون واحتفظوا بصور هذا البطل العظيم.

وحاولت أن أرسم صورة للشجاعة فلم تَعْدُ أن تكون هي صورة أميرالمؤمنين! إنهما وجهان لعملة واحدة! لقد تجسد الشجاعة في أمير المؤمنين، وتخلدت الشجاعة فيه. كم خاض ساحات المعارك وانتصر وكم أذاق أمريكا من ألوان العذاب.

ولقد رسم لنا التاريخ القريب صورة أمير المؤمنين، فكانت هي العدل في أجلّ حُلله وأعظمها، وحينما حاولت رسم صورة للعدل كانت هي صورة أمير المؤمنين الملا عمر رحمه الله لا يتعدّاها. عجيب هذا التطابق! ولكن هكذا شاء الله تعالى أن يجسّد المعاني السامية في هذا الرجل. أعتقد أنّ أمير المؤمنين رحمه الله تعالى، حقق الله به جانباً عظيماً من هذا الوعد النبوي الصادق بأن الله يبعث لهذه الأمة، وأن يجدد لها دينها على رأس كل مئة عام، ولعل المقصود هو من حين لآخر ومن فترة إلى أخرى، أن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها.

لقد أمسكت بكاميرا التاريخ، ورحت ألتقط صوراً لهذا البطل العظيم، وكان لابد أن تهتز بيدي آلة التصوير! سامحوني فأنتم تعرفون من أصور! وأمام من أقف!

ولكني أخفقت في تصوير هذا الرجل من جميع جوانبه، أتدرون لماذا؟ لأمر يغيب عن الكثير، وهو أنكم تظنون أن هذا الرجل العظيم ليس له إلا جانبان كأمثالكم!

و أقول لكم بكل صراحة، لقد كان لأمير المؤمنين جوانب كثيرة لاتعد ولاتحصى وتنأى عن الحصر.

ومن هنا كان التحيّر: من أي الجوانب ألتقط الصورة.

وعلى كلٍ فقد أردت أن أصور أبرز الجوانب، وأجمل الأشكال ولقد فاتني بلا شك صور كثيرة جميلة عظيمة.

ومن أراد رؤيتها فدونه هذه المجلة في هذا العدد الشهري الذي خصص لملامح حياة أميرالمؤمنين رحمه الله، فهو حافل بتلك الصور التي لم تطمس ملامحها الجميلة محاولات العابثين من الحاقدين لتشويه جمالها، وإطفاء نورها.

لاغرو بأنني أعترف مراراً وتكراراً، وليعترف بذلك كل من حاول أن يلتقط صوراً لأمير المؤمنين، بأنني تحيرت إزاءه. من أي الجوانب ألتقط صورة له؟

أألتقط له صورة المجاهد الأبي الباسل، الذي أتعب من يأتي بعده؟

أم ألتقط له صورة اليقظة والتنبه للغاية التي خلق الله العبد لأجلها؟

أم ألتقط صورة البصيرة الصادقة في معرفة الحق، ومعرفة الرجال؟

أم ألتقط صورة العزيمة الماضية، والإرادة النافذة، التي لا تكل ولا تمل في سبيل معرفة الحق والوصول إليه؟

أم ألتقط صورة المبادرة إلى الحق والمسارعة إلى الخيرات؟

أم ألتقط صورة الولاء والبراء حيث علمهما عملياً لأمة المليار، وللذين يدندنون حولها بألسنتهم ولم تتجاوز تراقيهم؟

أم صورة الوفاء؟

أم صورة الصدق؟

أم صورة الإخلاص، والتواضع، والنفور من السمعة والشهرة؟

أم صورة الولاء والمحبة لله ولرسوله وللمؤمنين؟

أم صورة التبرئ من الشرك والبدع ومن الجاهلية بشتى صورها وأشكالها القبيحة الدنسة، بتحطيم أصنام كانت آلهة يعبدها البوذيون ويقدسونها؟

أم صورة الفروسية والجهاد في سبيل الله في أصعب الظروف؟

أم صورة الحكمة والخبرة والدربة والحنكة العسكرية؟

أم صورة المتبتل الخائف الوجل أمام الرب تبارك وتعالى في قلب الليل؟

أم صورة الصبر والثبات والتوكل والعفة والتواضع أم… أم …

إنها صور كثيرة، وجوانب متعددة تحير المرء من أي الجوانب ينظر ويتأمل!

جاهدت يا أميرنا وناضلت السوفييت والروس حتى اشتهرت بصائد الدبابات، وانتصرت على الموت في كل المعارك التي خضتها حتى ليخيل لي أن الموت كان يفرّ منك في تلك المعارك، اللهم إلا إصابتك في هذه المعارك أربع مرات، فقدت في إحداها عينك اليمنى في سبيل الله، فكأنما الموت كان يهاب شجاعتك التي لامثيل لها لتدمر الشيوعيين والعملاء فيما بعد والصليبيين.

لقد عجبت من صورة ذلك الملهم من عند الله عندما يفحم العلماء فيقول الشیخ سلیم الله خان حفظه الله (من أكبر علماء باكستان بعدما زاره ذات مرة) : “والله حینما کان یتکلم، کنا نتخیل أن أحداً من أصحاب النبي ـ صلی الله علیه وسلم ـ یتکلم أمامنا”.

ولقد عجبت من عزیمته ومبادرته ووفائه وإخلاصه وجهاده وتوكله وحكمته وولائه وبرائه .. إلخ.

عجبت من ذلك كله، وتحيرت أي هذه الصور أعظم حتى نبدأ بالوقوف أمامها؟

ولعلنا نستطيع أن نقول إن أجدر الصور بالتخليد أنه لما أراد أن يحطم صنم بوذا، عرضت الصين واليابان شراء الصنم كي لا يهدم، وكان هذا الصنم من أكبر الأصنام التي يتحنث لها البوذيون.

فمن العلماء من أرسل له: (الصين تريد شراءه فإن أغضبتكم صورته فبيعوه لهم).

فكان الموقف المفحم، وعزة المؤمن، وقوة إيمان الموحد، الذي جلجل قوله في الآفاق، وحفر بذلك اسمه بخير في التاريخ الإسلامي : «لأن ينادى علي يوم القيامة أين عمر هادم الصنم، أحب إلي من أن ينادى علي أين عمر بائع الصنم».

فحقاٌ کنت على هدوئك الباسم رعداً قاصفاً في آذان معارضيك، وكانت سهامك الصائبة ل اتدع لفريستك مجالاً للتوثب والانقضاض. حقاً إن لذة الحق ومعرفته لاتعدلها لذة في الوجود.

ما أعظمك يا أمير المؤمنين! لقد أزريت بكل القيم المادية إزاء قيمة الحق. لقد هانت في عينك زخارف الدنيا ومتاعها في سبيل الوصول إلى الحقيقة، جُبلت على الحرية، فلا تعرف الخضوع والاستكانة، طبيعة نفسك كطبيعة بلادك، فيها مناعة الجبال ووعورتها، وفيها صرامة البيد، وبساطة اليد. أبناء جلدتك في القوة كالمهاجمين الغضاب، يطرحون أنفسهم تحت المنايا، وتنطرح أعداؤهم تحت أقدام الفاتحين.

لاشك يا أمير المؤمنين أنك كنت تطمح إلى لذة أعظم، وإلى نعيم سرمدي، فلله درك وعلى الله أجرك.

إنّ لله عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها لما علموا أنها ليست لحيٍّ وطنا

تركوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفُنا

أجل؛ إذا فتحت لك الدنيا ذراعيها، وبسطت لك رداءها الأخضر، وتزينت وقالت هيت لك. في هذه الحال تُرى من يؤثر الآخرة؟

من يزهد في تلك الأموال واللذات العاجلة، ويؤثر عليها الحياة الآجلة؟!

قد يزعم بعض الناس أنهم زاهدون في الحياة، فيقنعون منها بالقليل في المأكل والملبس؛ لأنهم لا يجدون المزيد، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يسألوه لأنفسهم: ترى لو عرفوا طريق المال أكانوا يزهدون فيه حقاً؟

لقد كان أميرالمؤمنين حاكم بلد مسلم، بتسلمه مقاليد الحكم في البلاد لو أشار إشارة بسيطة لأغدقت عليه الأموال ومايشاء من الملذات من كل حدب وصوب، إلا أنه عرف أن هذه الدار ليست بدار مقام، وأن ثمة داراً أخرى هي الباقية، ورأى أن الدنيا والآخرة ضرتان قلما تجتمعان لأحد، وأنه لا يصلح إحداهما إلا أضر بالأخرى.

فنظر في الأمر وتأمل فانتهت حكمته إلى أن العاقل لا يبيع باقياً بفانٍ، ولا يجمع مالا ينتفع به، ولا يحمل في سفره إلا ما يبلغه المسير. حقاً لقد أضر أميرالمؤمنين بدنياه لأجل آخرته. ولكن ماذاعليه إن أعرض عن دارٍ فاينة لدار باقية. لقد أداه عقله وعلمه وتفكره إلى ذلك. لذا آثر أميرالمؤمنين رحمه الله أن يكون عمله كله لآخرته.

ومع هذه المواقف الرائعة والتاريخية كان أميرنا رحمه الله يتمتع بأخلاق طاهرة، وشمائل باهرة، فقد كان جم التواضع والأدب، كثير الحلم والرفق، سبّاقاً إلى الخير، يعامل المجاهدين والناس معاملة الأب البار، ويتمتع بحبهم وتقديرهم جميعاً، طيب الله ثراه، وشمله بواسع رحمته، وعوض عنه المسلمين خير العوض.

فيا أيها العقد النوراني الذي انتظم فيه خالد بن الوليد، وعبدالرحمن الغافقي، وعمر المختار، والملا عمر، ومن يخلف هؤلاء، هنيئاً لكم الكرامة والسعادة في دار الخلد.

آهٍ! لو عرف قومي قيمة تلك السعادة يا أمير المؤمنين!

آه! يا ليت قومي يعلمون!

ثم حاولتُ أن أصوّر ذلك المشهد الفظيع عندما قُصفت عائلته، ففقد جمعاً من أخواله وأعمامه وجملة من أقربائه، كل ذلك لم يكن ليثني عزيمته عن الثبات على هذا الدين والجهاد والبذل والعطاء، لا لأنه تجرد عن المشاعر والعواطف الإنسانية! كلا وألف كلا، ولكن لأنه ضبط تلك المشاعر والعواطف في ظل هذه القاعدة الثمينة الذهبية: إن الحياة عقيدة وجهاد.

ما أعظم هذا الثبات واليقين! وما أطول الوقوف أمامه إذا أردنا أن نتأمل جوانب تلك الصورة وحدها من حياتك!

فما أعظم مافي تلك الصورة من صدق!

وما أعظم مافيها من الصبر!

وما أعظم مافيها من اليقين والتوكل!

ثم ماذا يا أمير المؤمنين؟

أي الصور بعد ذلك ترى نلتقطها للذكرى؟!

فيه المفاخرُ والأمجادُ في رجُلٍ تسيرُ كالظِلِّ في حِلِّ وتِرحالِ

فيه الفضائلُ من دينٍ ومن خُلقٍ ومن جوامعِ أفضالِ بمفضالِ

أنلتقط صورتك يوم أن جاء الكفار من فوقك ومن أسفل منك، كل العالم أجلب عليك بخيله ورجله، وعرض الكفار والصليبيون مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقالك؟! وإخوانك وأبناءك المجاهدون، إما قتلوا في القصف الوحشي أو سجنوا واعتقلوا، أو هُجّروا من البلاد، كلٌ لاذ إلى مكان، فأين كان مكانك يا أمير المؤمنين، أو ما كان من الصعب اختفاءك عن الأعين، صدام حسين اعتقل في فترة وجيزة، ولكن الله سبحانه وتعالى أنعم عليك وأغدق عليك شآبيب كرمه إذ أراد أن تقهر الصليبيين من داخل كوخك المتواضع، ولكن في المقابل كان أعداءك جالسون في البيت الأبيض، ويبيتون عليك من أفخم الفنادق، ولكن ردّ الله كيدهم عليهم حيث لم ينالوا خيراً. دوّخت رؤسوهم بما ألهمك الله من المعطيات والتكتيكات؛ بل وفوق ذلك بإيمانك القوي الثابت كالجبال الراسيات.

والله لقد تجسدت البطولة فيك يا أمير المؤمنين! ولقد تخلدت البطولة بذكراك يا أمير المؤمنين!

وبعد: تُرى ماذا كانت فلسفة ذلك القائد في حياته؟!

لقد كانت فلسفته أو قل عقيدته التي يؤمن بها هي عشق الجهاد وعشق الموت في سبيل الله!

لئن كان الأبطال يصبرون أنفسهم على القتال، ويحملون أنفسهم على الموت في سبيل الله، فنحن أمام قائد -على العكس من ذلك- يتلذذ بالقتال، ويتغنى به، ومهما حاولنا أن نعبر عن غرامه بالقتال وهيامه بالجهاد في سبيل الله فلن نبلغ ذلك؛ بل كان فحوى كلامه هو قول خالد رضي الله عنه: (ما ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بوليد، بأحبّ إليّ من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية من المهاجرين، أصبّح بهم المشركين).

ولكن يبدو أن أميرالمؤمنين رحمه الله تعالى أراد أن يعلم المسلمين بمماته كما علمهم في حياته. لقد علّمهم عند مماته درساً خالداً لقنه لأولئك الجبناء الذين يفرون من الموت، ألا فلتعلموا أيها الجبناء لقد كان أميرالمؤمنين حثيث البحث عن الموت في كل معركة، ولقد كان الموت يفر منه في كل تلك المعارك.

ومالقيه الموت إلا على فراشه مستخفياً مستخذياً أن يواجه ذلك البطل العظيم. وكم تصدق فيه أشعار أم خالد بن الوليد رضي الله عنه حينما خرج جثمانه رضي الله عنه من داره محمولاً على أعناق أصحابه، فرمقته بعينين اختلط فيهما بريق العزم بغاشية الحزن فقالت تودعه:

أنت خير من ألف ألف من القوم إذا ما كَبَتْ وجوه الرجال

أشجاعٌ..؟ فأنت أشجع من ليْـــــث غضنفر يذوذ عن أشبال

أجوادٌ..؟ فأنت أجود من سَيــــل غامر يسيل بين الجبال

نعم؛ وهكذا رحل عنا أمير المؤمنين، وتركنا نجلوا سهادنا بهذه الأبيات:

نأى عنّي وخلّف لي فؤاداً يذوب أسىً عليه ويضمحلّ

أمرتم بالرثاء فهيجتموني وتعذيب الذبيحة لا يحــــــلّ

خذوا مني الرثاء دموع عين تكل المعصرات ولا تكل

بكى خير البرية خير طفل ودمع العين في الأحداث نُبل

وكم يصدق فيه ما قاله الشاعر:

مضى طاهر الأثواب لم تبقَ روضةٌ غداةَ ثوى إلا اشتهتْ أنَّها قبرُ

عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحُر ليس له عُمْر

وههنا نستأذنك يا أمير المؤمنين ويا مجدد العصر ويا محطّم الأصنام لا لأننا قد مللنا حديثك، ولا لأننا ملأنا أعيننا من استجلاء محاسنك، ولكن لأن الحديث عن كل الميادين يحتاج إلى كتاب لا إلى مقال.

جُودي عيون المخبتين كما المطرْ وابك الأمير القائد الملاّ عمرْ

سُحّي الدموع الساخنات رقيقة رحلَ الذي في الليل يغبطه القمرْ