المهندس فراس أبو حمدان

 

قد تكلمنا مسبقا عن مناهج استرشادية تتبعناها من خلال الدول التي استطاعت أن تحقق قفزات اقتصادية هائلة خلال زمن قياسي، بشهادة دول العالم المتقدمة، لتصعد من قاع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى قمة التقدم الاقتصادي والرفاهية والاستقرار السياسي والاجتماعي، وهذا الزمن القياسي غالبا على أقل تقدير عشرون سنة لتتجاوز أزمتها الاقتصادية بل لترفع المستوى المعيشي لشعبها ولتهبط نسبة الفقر من 55% بل ومنهم 75% إلى أقل من 5%.

لكن هل هناك منهج يرفعنا من قاع الأزمة بكل مناحيها إلى الطفرة التي نتكلم عليها خلال “سنة”، فلا فقر ولا فساد أخلاقي ولا جوع ومجاعات ولا ظلم وتعدي على الأملاك، ولا طغيان سياسي ولا سجون، بل لمجتمع يتميز بالإستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي ويتميز المجتمع بالسمو الأخلاقي؟!! هل فعلاً هناك منهج طُبق ليحقق ما سبق في “سنة” وأثبت التاريخ ذلك؟!

إن الذي يجهله العالم كله، إلا قلة قليلة، أن هذه الطفرة الاقتصادية فعلا تحققت على يد خليفة مسلم في سنة واحدة فكان ذلك في مصطلح الاقتصاديين (الذين درسوا منهجه الاقتصادي والذي سنبينه قدر جهدنا في هذا البحث مستعينين بالله نقلا من مصادرها الموثوقة) يسمى معجزة اقتصادية، لأن هذا الخليفة الذي استنار بمنهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه استلم خزينة منهوبة وأملاك مصادرة، وأموال للعامة مغتصبة ومسلوبة من سنوات طوال، وفقر مدقع لشريحة عظيمة من رعاياه، وظلم عم أرض الخلافة وشعوبها، وسجون مليئة بالناس يعذبون بالجوع في أحسن أحوالهم وبالقمل في ملابسهم.

إنه حفيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إنه عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الخليفة الراشد السادس الذي استنار بهدي عمر رضي الله عنه. وبهديه ألَّفَ القاضي الأول أبو يوسف رحمه الله صاحب أبي حنيفة رحمه الله كتابه الخراج بأمر من الخليفة الراشد هارون الرشيد رحمه الله. قال عنه أحمد بن حنبل: “ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه“، وقال ميمون بن مهران: “كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تلامذة“، المتوازن في التسلسل المنهجي والإبداع المنطقي في التعامل مع الأحداث.

إن من بعض أهداف الإسلام من خلاله تشريعه: تحقيق العدالة الاجتماعية ومن ذلك العملية الاقتصادية، بحيث تتناول جميع طبقات المجتمع فيقارب بين هذه الطبقات فلا يستبد الغني في غناه ويزداد غنا ولا يتردى الفقير بفقره ويزداد فقرا، وبذلك يتحقق عامل رئيسي من العدالة الاجتماعية، وإن من أعظم العوامل التي تدل على الظلم المتفشي في المجتمع ودلالة على الطغيان والضياع السياسي هو فقدان الرفاه أو التقارب الطبقي في المجتمع والمكوس المفروضة من السلطة، الذي يتطلب تصحيحا وإصلاحا اقتصاديا حسب نظام الإسلام.

إن خطط التصحيح الاقتصادي الاستراتيجية في العصر الحديث غالبا عشرينية لتحقيق أهدافها، ومع ذلك حقق عمر بن عبد العزيز نجاحاً منقطع النظير فاق كل دول العالم في وقتنا كما سنرى بإذن الله، وحقق أهدافه التصحيحية بعد سنة، ثم بعد سنتين لم يكن هناك فقير في دولته يحتاج الصدقة من أطراف الصين إلى آخر حدود المغرب والأندلس، يعني 0% من الفقراء. فلا يوجد نظام إصلاحي نافس النظام الإسلامي الذي طبقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ونجح هذا النجاح المنقطع النظير الذي بشر به نبينا صلى الله عليه وسلم: (ولَئِنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَن يَقْبَلُهُ منه، فلا يَجِدُ أحَدًا يَقْبَلُهُ منه).

 

منهجية عمر بن عبد العزيز في إصلاح المجتمع بتحقيق العدل وإزالة الظلم وتطبيق نظام الإسلام الاقتصادي:

لن يتضح أثر الإصلاح الاقتصادي ومعالجة الوضع السيء القائم خلال سنة إلا بالتطبيق الشامل لمنهجية الإسلام بما ذلك الاقتصادية بثبات على الأمر وعزيمة على الرشد، كما أمر الله عز وجل قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [البقرة: 208]، لأنه يستحيل الإصلاح على سبيل المثال مع وجود الهدر المالي وتبديد الثروة، فلا بد من معالجة للوضع الخطأ، والتقدم إلى تطبيق المنهج الإسلامي بكامل أبعاده، لأن الانتقائية مذمومة في الشريعة الإسلامية قال تعالى:(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[البقرة: 85].

فكانت منهجية عمر تصحيح الوضع القائم، بعدة وسائل تعمل على وقف الهدر المالي، وتصحيح توزيع الدخل على جميع أفراد المجتمع، وقد عمل لتحقيق هذا الأمر من الأيام الأولى لتوليه الخلافة، وذلك من خلال الأعمال والتصورات الآتية:

 

  1. إزالة الظلم من الدولة إزالة شاملة:

أزال الظلم من اقصى الصين إلى أقصى المغرب والأندلس فور مباشرته الخلافة، وقد كانت تعج بالاضطرابات السياسية، والانقسامات الاجتماعية، واقتصاد الدولة مدمر من جراء التعدي على أموال المسلمين ظلما، وفساد الإدارة وانحلال القيم، مما ترك عبئا هائلاً على حركة الاقتصاد، وقد وصف عمر بن عبد العزيز حال البلاد وصفا دقيقا قبل أن تؤول إليه الخلافة، في مقولته الشهيرة: “الوليد بالشام، وقرة بمصر، والحجاج بالعراق، وعثمان بن حيان بالحجاز، امتلأت الأرض والله جورًا“:

  • قام بعملية تطهير واسعة لتخليص الخلافة الأموية من الفساد المتراكم منذ عهود، واستبدل رجال الفساد بأهل الإيمان والصدق والعفاف، فقد سنوا تولية الأمراء الجبارين لفرض سلطان بني أمية، فأبطل عمر رحمه الله هذه السنة، وعين كثيرا من العلماء والقضاة أمراء على الولايات أو ممن زكاهم العلماء.

 

  • وبيض السجون فأخرج جميع المساجين، قال محمد بن يزيد الأنصاري: “بعثني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين ولي فأخرجت من في السجون من حبس سليمان، ما خلا يزيد بن أبي مسلم“، وبعد ذلك لم يحتج عمر إلى هذه السجون ولم يدخلها أحد، بل قيل لم يعاقب أحداً في عهده إلا رجلا كان يزور الدنانير.

 

  • كما حرص عمر على تحقيق العدل والبدء برد المظالم إلى أهلها، حيث رأى أن إسراف من قبله كان على حساب ممتلكات وأقوات عموم المسلمين، ولم يكتف ببيع كل ما له صلة بالبذخ مما تركه السابقون من الخلفاء، ورد ثمن كل ذلك إلى بيت المال، لكنه حرص على رد المظالم إلى أهلها، فأمر مناديه بأن ينادي في الناس: “ألا من كانت له مظلمة فليرفعها“. فجعل لا يدع شيئاً مما كان في يد سليمان الخليفة السابق وفي يد أهل المظالم من المنتمين إلى النظم السابقة إلا ردها مظلمة مظلمة.

 

  • وكتب بإبطال أحكام الجور السابقة ولو تطاول بها العهد فكتب “برد أحكامٍ من أحكامِ الحجاج مخالفة لأحكام الناس” لأن من لا يُصلحُ عدلُهُ القديمَ لن يوفق في دفع الظلم الجديد.

 

  • أوقف كل العقوبات التي كانت صادرة عن سياسة انتقام وبطش، من سجن وجلد وما ابتدعه الظلمة من أحكام الجور، في فترة وجيزة رغم بعد المسافات والبلاد واختلاف اللغات والشعوب وذلك يدل على سعة علمه وحكمته واضطلاعه بالقواعد الشرعية التي تُقَوِّمُ المجتمع، وتقضي على الجريمة، وتبني الأخلاق الحسنة، رغم حجم الظلم والجور الذي ملأ الأرض.

 

  • ورفع الظلم لم يتوقف به عند المسلمين، بل شمل غير المسلمين، لأنهم وحدة إيجابية في المجتمع المسلم، في عملية التكافل والبناء الاجتماعي، قال علي بن أبي حملة: “خاصمنا عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيز في كنيسة كان رجل من الأمراء أقطعها لبني نصر بدمشق فأخرجنا عمر عنها وردها إلى النصارى“، وكذلك “لم يزل أهل قبرص على صلح معاوية حتى ولي عبدالملك بن مروان فزاد عليهم ألف دينار فجرى ذلك إلى خلافة عمر بن عبدالعزيز فحطها عنهم“، “ولما استخلف عمر بن عبدالعزيز، وفد عليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضياً ينظر فيما ذكروا فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فَنُصِبَ لهم جميعُ بنُ حاضرٍ الباجي، فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء، فكره أهل مدينة سمرقند الحرب وأقروا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم“.

 

  • وسعى أن يرَّسخ الاستقرار السياسي لأنه مقدمة للاستقرار الاقتصادي، فحين علم الخوارج بأفعاله العادلة، وما رده من مظالم لأهلها، وإسقاط الجزية عمن أسلم من أهالي البلدان المفتوحة، اجتمعوا وقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل. وأبدى عمر بن عبد العزيز تسامحه معهم وقام بإجراء المحاورات والمناظرات معهم، وأرسل إلى البعيد منهم مكاتبات يهدف بها جميعها إلى تقويم تياراتهم الفكرية المعوجة.

 

  • ألغى عمر بن عبد العزيز المكوس التي فرضها من قبله من الأمراء على التجارة، لكن لم يتهاون في الزكاة وجبايتها وتنظيمها وتوزيعها وفق ما أمر الله عز وجل.

 

  • وأوقف طرق مصادرة الأملاك المتبعة مسبقا ظلمًا وعدواناً، وأمر بإرجاع تلك التي استولى عليها الولاة والأمراء السابقين، ولو بعد سنين طوال، لأن من لا يُصْلِح عدله القديم لن يُوَّفَّق في دفع الظلم الجديد، وأمر بإعادة هذه الأموال إلى أصحابها إذا عرفوا أو إلى بيت المال، إذا لم يعرف أصحابها، أو كانت من الأموال العامة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله في مال قبضه بعض الولاة ظلماً فأمر برده إلى أهله وتؤخذ زكاته لما مضى من السنين ثم عقب ذلك، بأن لا يؤخذ منه إلا زكاة سنة واحدة، فإنه كان ضماراً.

 

  • وكان يقول: “إن ما في يدي بني أمية من الأموال مظالم يجب أن تعاد للمسلمين“، فبدأ بنفسه حيث كان كبقية أمراء بني أمية في حياة الترف والرفاهية، حتى إذا تولى الخلافة حذا حذو جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يعتبر هذه الأموال مظالم وقال: “إنه لينبغي أن لا أبدأ بأول من نفسي“، فنظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه حتى نظر إلى فص خاتم، فقال: “هذا مما كان الوليد بن عبد الملك أعطانيه مما جاءه من أرض المغرب“، فخرج منه ورد كل ذلك لبيت المال.

 

  • وثنى بأهل بيته فقال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك، وكان عندها جوهر أمر لها أبوها به لم يُرَ مثله: “اختاري؛ إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد، قالت: لا؛ بل أختارك يا أمير المؤمنين عليه، وعلى أضعافه لو كان لي، قال: فأمر به، فحُمِل حتى وُضِع في بيت مال المسلمين، فلما مات عمر واستخلف يزيد بن عبد الملك، قال لفاطمة: إن شئت يردونه عليك، قالت: فإني لا أشاؤه، طبت عنه نفسًا في حياة عمر، وأرجع فيه بعد موته؟! لا والله أبدًا، فلما رأى ذلك قسمه بين أهله وولده“.

 

  • وانحنى على مظالم بني أمية فأعاد المصادرات والممتلكات ونزعها منهم، وأوقف تعديهم على المال العام والخاص، وقام بتمزيق مستندات هذه الأملاك، وهي مظالم وجوائز وهدايا ومخصصات استثنائية وضياع وقطائع، جمعت على شكل ممتلكات ثابتة أو نقود قدرها عمر بن عبد العزيز شطرا كبيرا من أموال المسلمين تجاوز النصف. ولم يكن ذلك بالأمر السهل بل واجه عنتا وصدودا من الأمراء وتهديدا فتعامل مع هذا الأمر بكل حزم وقوة، بل وصل به الأمر أن يهدد البيت المرواني الأموي بالذبح إذا لم يخضعوا لأمر الله: جمع عمر بني مروان فقال لهم: “يا بني مروان إني أظن نصف جميع مال الأمة عندكم فأدوا بعض ما عندكم إلى بيت مال المسلمينفقال هشاملا يكون والله ذاك حتى تذهب أرواحنا، فغضب عمر وقال: أما والله يا بني مروان إن لله فيكم ذبحا ولولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا المال له لأضرعت خدودكم“. وعن إسماعيل بن أبي حكيم قال: أتى عمر بن عبد العزيز كتاب من بعض بني مروان فأغضبه، فاستشاط غضبا ثم قال: “إن لله في بني مروان ذبحا، وايم الله، لئن كان الذبح على يدي. فلما بلغهم ذلك كفوا، وكانوا يعلمون صرامته، وأنه إن وقع في أمر مضى فيه“. وللعلم فقد وقع ما حكم فيه عمر بن عبد العزيز من الذبح في بني مروان بعده باثنين وثلاثين سنة من ظلم من جاء بعده من الولاة وتعديهم على المسلمين وأموالهم.

 

  • رفع الضرر عن العامة وضمان ما أتلف من أموالهم إذا ما تعارضت المصلحة العامة مع الخاصة: فقد تحتاج الدولة إلى بعض الأمور والتي قد تتعارض مع المصلحة الفردية لأفراد المجتمع، تحت أي سبب أو حاجة تقتضي ذلك الاستخدام، والذي قد يلحق الضرر بمصلحة الفرد، فإن الدولة تُغَرِّمُ هذا الإضْرَار قال سعيد بن عثمان عن غيلان بن ميسرة: “أن رجلا أتى عمر بن عبدالعزيز فقال: زرعت زرعا فمر به جيش من أهل الشام فأفسدوه فعوضه عشرة آلاف درهم” هذا التعويض دافعٌ للأفراد بأن يستمروا في المشاركة والتفاعل مع النهج الإصلاحي، وأنهم ينتمون إلى مجتمع يقدر الجهد المبذول.

 

  1. أوقف الهدر المالي من بيت مال المسلمين وأمر بمبدأ القوامة في الإنفاق:

فاتبع سياسة مالية لم يشهدها العهد الأموي وهي سياسة الحرص على المال العام، فقام بترشيد الإنفاق الحكومي، فهو بحق رائد هذا الفن، حتى الأمور التي يُستهان بقيمة مصروفها أو ثمنها، حرص على عدم هدر هذا المال، فأعاد بذلك سيرة الخلفاء الراشدين خصوصا عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقعا ملموسا:

 

  • أوقف الإسراف المبالغ فيه على شؤون الخلافة المتعلق بمظاهر الزينة والرفاهية، والبذخ على كثرة الخيول والبغال المعينة لخدمات انتقال الخليفة وحاشيته، وتعدد العاملين على إدارة تلك الخدمات من سائسين وغيرهم، والإسراف في الثياب الجديدة الفاخرة للخليفة وحاشيته، والإسراف في الأثاث والمفروشات والعطور والأطعمة، فأعلن عمر بن عبدالعزيز أن ذلك يخالف ما كان موجوداً في عهد النبوة وعهد الخلفاء الراشدين من قبله، وبالتالي أمر ببيع كل تلك المقتنيات ورد ثمنها إلى بيت مال المسلمين، ومصاريف الزينة والرفاهية التي كانت للخليفة وجعل ذلك كله في بيت مال المسلمين: جاءه أصحاب مراكب الخلافة يسألون عمر بن عبد العزيز العلوفة ورزق خَدَمِها، قال: ابعثوا بها إلى أمصار الشام يبيعونها، واجعلوا أثمانها في مال الله، تكفيني بغلتي هذه الشهباء. فقد اتخذ قرارات تنم على حرص شديد على أموال المسلمين فكان أول إجراء له بعد توليه الخلافة هو انصرافه عن مظاهر الخلافة، إذ قربت إليه المراكب، فقال ما هذه؟ فقالوا: مراكب لم تركب قط، يركبها الخليفة أول ما يلي فتركها وخرج يلتمس بغلته، وقال: يا مزاحم ـ يعني مولاه ـ ضم هذه إلى بيت مال المسلمين، ونصبت له سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط، يجلس فيها الخليفة أول ما يلي، قال يا مزاحم ضم هذه إلى أموال المسلمين، ثم ركب بغلته، وأنصرف إلى الفرش والوطاء الذي لم يجلس عليه أحد قط، يفرش للخلفاء أول ما يلون، فجعل يدفع ذلك برجله، حتى يفضي إلى الحصير، ثم قال: يا مزاحم ضم هذه لأموال المسلمين. وقس عليه مظاهر البذخ والإسراف التي تجري عادة في اجتماع الولاة من دعاية واعلام متكلف يمكن الاقتصاد فيها، والفرش والسجاد وإيجارات اجتماع القاعات وطباعة اللوحات الكبيرة التي تستهلك أموالا كثيرة. فكل مظاهر الاسراف من الحكومة على الاجتماعات والزخرفة والإعلام والإسراف في الولائم لدعوة وجهاء الناس والتجار لكسبهم أو مظاهر اجتماع صاحب السلطان معهم إنما هو على حساب ممتلكات وأقوات العامة من الشعب.

 

  • وحرر بيت المال من الأعباء المالية الراتبة عليه كاستحقاقات فردية للأمراء والمتنفذين أوجبها لهم من سبقه من الخلفاء.

 

  • ووجه ولاته إلى تجنب أي اسراف وأن يقتروا من المصاريف، واشتد في ذلك: وأخذ إجراءات لمحاربة الإسراف في الدولة، فكتب الى أميره على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قائلا: “أما بعد فقد قرأت كتابك تذكر فيه انه كان يقطع لمن كان قبلك من امراء المدينة من الشمع كذا وكذا يستضيئون به في مخرجهم، فابتليت بجوابك فيه، لعمري لقد عهدتك يا ابن ام حزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة من غير مصباح، ولعمري انت يومئذ خير منك اليوم ولقد كان في فتائل اهلك ما يغنيك والسلام” وكتب إليه: “إذا جاءك كتابي هذا فأرق القلم، وأجمع الخط واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أضر ببيت مالهم والسلام عليك“. ذلك هو شأن عمر في كل أمر يخص مال المسلمين، صغر أو كبر ومع كافة الولاة، فكان يسعى للتوفير والاقتصاد في الإنفاق من بيت المال، ليحول بذلك دون الإسراف والبذخ.

 

  • وحرَّم استخدام العامل أو السلطان للمال العام للمسلمين وهدره في أموره الخاصة، وألزم برد ما تم أخذه من دون وجه حق أو برد قيمته، حيث يروى أن غلاما كان يقوم على خدمته وكان يأتي له كل يوم بماء “ساخن” لكي يتوضأ به. وذات مرة انتبه الخليفة فسأله عن مصدر ذلك الماء المسخن، وعرف أنه يتم تسخينه في “مطبخ العامة”. فتوقف الخليفة فوراً عن استخدامه واتبع منهجا موضوعيا فريدا من أجل رد ما يرى أنه حصل عليه من دون حق من المال العام للمسلمين.

 

  1. وضع آلية عمل فورية لتوسيع موارد الدولة وبناء رأس مالها المستقل، وإعادة توزيع الدخل توزيعاً عادلاً:

وكما أزال المظالم قديمها وجديدها، وأوقف هدر المال العام، وأرشد نفقات القطاع العام والخاص، اتبع النظام الاقتصادي الإسلامي، فخطط لتوسيع موارد الدولة وبناء رأس مالها المستقل، وأعاد توزيع الدخل توزيعاً عادلاً، حتى أصبح المال في العام الثاني في متناول جميع طبقات المجتمع، فحقق بالنهج الإصلاحي الاستقرار بكل أبعاده، على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وحقق للمسلمين حلم “الرفاه الاقتصادي” أو “العدل في توزيع الثروة”، فكان عمر بن عبد العزيز ينظر دائماً إلى المال على أنه وسيلة لتحسين أحوال الرعية وليس وسيلة للمنافع الشخصية، تمثلت آلية عمله اختصارا بالتالي:

 

  • وضع نفسه في حالة طوارئ حيث وصفها لمّا بُويع بالخلافة، حين أرسل إلى نسائه: “من أرادت منكن الدنيا فلتلحق بأهلها فإن عمر قد جاءه شغل شاغل“، وكتب إلى الحسن البصري يقول له: “إني قد ابتليت بهذا الأمر فانظروا إليّ أعوانا يعينوني عليه“، فحقق خلال عامين ونصف تقدماً اقتصادياً في المجتمع الإسلامي الممتد من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً كله ولم يبقى فقيرا واحدا على امتداد هذه المساحة يأتي ليأخذ الزكاة، أما في الدول التي حققت نهضة اقتصادية كبرى مثل كوريا الجنوبية وماليزيا بقيت عندهم نسبة فقراء بنسبة 5% على أقل تقدير، أي بمئات الألوف أو حتى تتجاوز عدة ملايين ،كما في أمريكا أقوى الدول اقتصادا كما يزعمون. فكان عامه الأول عام إصلاح وترميم، وما بعد ذلك جاء الاستقرار الاقتصادي الشامل، إضافة إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي.

 

  • وأول ملامح هذا النظام احترامه لإرادة الشعب، فكانت الشورى ركن من أركان خلافته في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، حيث كان عمر يهتم باستطلاع آراء الرعية في الخطوات الاقتصادية الإصلاحية التي كان يقوم بها، ولذلك لم يعترض عليها المسلمون ولم يثوروا عليه، بل كانوا يؤيدونه ويدعمونه دائماً. وكانت خططه وأفكاره الاقتصادية تجد طريقها للتنفيذ بسهولة ويسر لأن رائدهم جميعا الشرع الكريم.
  • اتخاذ البطانة الصالحة والإيجابية والفعالة في البناء الإصلاحي، حيث اوصى من حوله برده الى الحق إذا مال عنه، مؤكدا أن لقائل الحق سلطاناً.

 

  • محاربة الرشوة وإغلاق مداخلها بأسماء وهمية كالهدية، حيث رفض الهدايا وكان يقول انها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا رشوة.

 

  • وكان هَمُّ عمر بن عبد العزيز الأول التخفيف من الأعباء الاقتصادية على الناس، ولذلك فور استلامه الخلافة أسقط المكوس “الضرائب” (أو ما يسمى رسوماً زورا وبهتانا ليلبسوا على الناس دينهم)، كالمكوس التي تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق (كما كان يحدث في أسواق الجاهلية قبل الإسلام)، أو تؤخذ ممن يدخل البلد من التجار، وبالتالي كانت إجراءً ظالماً ينطوي على تحصيل جبايات أو مكوس من الناس من دون حكم شرعي ويزيد التكاليف على الناس أضعافا مضاعفة. ولأن عمر رحمه الله يؤمن أن فرض الزكاة على المسلم، والجزية والعشور والخراج على الذمي تكفي لتوفير مصادر التمويل العام، وبالتالي يحرم فرض الضرائب والجبايات على الناس، فأسقط عمر بن عبد العزيز المكوس كلها، وذم ولاتها إن حثوه على فرض شيء من المكوس بأي علة غير شرعية، فألغى المكس عن كل أرض وألغى فرض الجزية عن كل من أسلم. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “وأما المكس فإنه البخس الذي نهى الله عنه فقال {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} غير أنهم كَنُّوه باسم آخر“. وهذا مشاهد عند الحكام الظلمة قديما وحديثا من جهلهم وسوء طويتهم وبخلهم وطمعهم، كنزوا المال وفرضوا المكوس على الناس، وسموها زورا رسوما، فكانت النتيجة أن قلت وارداتهم وعم الفقر وأبغضهم الناس وانمحقت البركة. وكما قالت د. زينب صالح الأشوح أستاذة الاقتصاد بجامعة الأزهر: الاقتصاد الوضعي يقوم أساساً على أن هناك مشكلة ندرة في الموارد بالنسبة للاحتياجات، أما الاقتصاد الإسلامي كما يؤمن عمر رحمه الله وهي سنة نبوية وراشدية أنه ليس هناك ندرة في الموارد على الإطلاق بل إن أمر استثمار هذه الموارد لتغطية الاحتياجات المتزايدة يتوقف على علم الإنسان وعمله وأيضًا إيمانه بأن ظهور الفساد في البر والبحر مردُّه إلى ما كسبت أيدي الناس (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)]الأعراف:96[.

 

  • وأقر عمر بن عبد العزيز حرية التجارة والكسب والاستثمار في البر والبحر بدون قيود ومكوس طالما تمت في إطار طاعة الله وتنفيذ أوامره وتجنب نواهيه، وبين أن الحرية في ممارسة التجارة الحرة المشروعة تعتبر نوعا من الدعوة إلى الله والإسلام ونشر تعاليمه عبر البر والبحر. وفي ذلك يقول عمر بن عبد العزيز: “وإن طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعى الناس إلى الإسلام كافة. وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر، ولا يمنعون ولا يحبسون“. ويؤكد عمر أهمية البحر كالبر في ابتغاء الأرزاق، فكان مما كتب: “وأما البحر، فإنا نرى سبيله سبيل البر، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) “، فأذن أن يتجر فيه من شاء، ورأى ألا يحول بين أحد من الناس وبينه، فإن البر والبحر لله جميعاً، سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله، فكيف نحول بين عباد الله وبين معايشهم؟! وبذلك نستنبط من مقولته الأخيرة إفادة اقتصادية أخرى وهي اعتبار التنقل عبر البر وعبر البحر من الخدمات الواجب أن تكون مجانية بلا رسوم تدفع لاعتبار البر والبحر ذاتهما من الممتلكات العامة المرفوض تخصيصها لأحد، حيث إن البر والبحر هما لله جميعاً. وتتأكد تلك الحقيقة بدورها من قول عمر في موضع آخر: “أطلق الجسور والمعابر للسابلة يسيرون عليها من دون جَعْل، لأن عمال السوء تعدوا غير ما أمروا به“.
  • وقضى على احتكار القلة بإصدار تعليمات بأن من اشترى شيئا من أرض الخراج بعد سنة مائة فإن بيعه مردود، حتى لا تتجمع الأرض بأيدي فئة من الأغنياء، وحتى لا يتعطل توزيع مصادر الدخل، وتتوقف مشروعات التنمية والاستثمار.

 

  • حمى كرامة المسلمين وصان كرامة المجتمع من تعدي الولاة واجتهاداتهم الظالمة: وهذه قاعدة للتنمية الاقتصادية لأن الفرد في المجتمع إذا صان الوالي كرامته يشعر بالانتماء للإمارة، ويسعى جهده لتحقيق عمليات الإصلاح، ويبذل جهده في التنمية والاستثمار، ويندفع أفراد المجتمع للعمل والإنتاج. ولانتشار أجواء الأمن والعدل فقد زاد الإنتاج حيث اندفع الناس للإنتاج والتنمية والإصلاح والتعمير وإحياء الأرض: عندما “كتب الجراح بن عبدالله إلى عمر بن عبد العزيز إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك”، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز “أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم والسلام” وذلك لأن الشخصية المقهورة أو المهانة لا تصلح في مشروعات التنمية والإصلاح أو تكون صادقة الانتماء.

 

  • ومن مظاهر العدالة الاجتماعية المقررة في ديننا الحنيف كما وُضِّح في سنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وطبقت في النظام الاقتصادي لعمر بن عبد العزيز: تحديد الحد الأدنى والحد الأعلى للأجور والدخول المعيشية وتحديد معيار التصنيف، حيث لم ينتظر الخليفة أن تقوم ثورة من أجل التفكير الرشيد الموضوعي في ذلك الأمر. فقرر أن يكون الحد الأعلى لأجر العامل ثلاثمئة دينار. ولم يكتف بمعيار تغطية الحاجات الأساسية المعيشية كسبب لتحديد ذلك الحد، لكنه أخذ في اعتباره ما لا يفطن إليه كثيرون غيره، وهو ضمان أمانة العامل في عمله، وعدم خيانة المسلمين. ويتجلى ذلك في رواية عن أبن أبي زكريا أنه قال للخليفة: “قد بلغني أنك ترزق العامل من عمالك ثلاثمئة دينار. قال: نعم، قال: ولِم ذلك؟ قال: أردت أن أغنيهم عن الخيانة“. أما المدهش العجيب فكان في تقتير عمر على نفسه رغم توسيعه على عماله، حيث لم يضمن لنفسه ذلك القدر من الأجر، وحرم نفسه من أن يأخذ أي نصيب من الفيء. أما الحد الأدنى فاستنبطه من خلال قصته مع الشيخ الجزري الضرير الذي لا يجد من ينفق عليه، فقرر له الخليفة خمسة وثلاثين ديناراً كنفقة معيشة، موضحا معياره في ذلك التقدير وهو أنه “ثمن قائد لا كبير يقهره، ولا صغير يضعف عنه“. وهو ما يمكن أن يطلق عليه حد “الكفاية والاستغناء عن الآخرين”. وكان الخليفة يعتبر نفسه مسؤولا عن الإنفاق على من لا مال له، حتى إن تم ذلك من ماله الخاص، كما فعل مع رجل يحتاج إلى نفقة لينفقها على أهله فقال له الخليفة: “خذ هذا الذهب فأنفقه على عيالنا إلى أن يخرج لي عطائي مع المسلمين أو يقضي الله قبل ذلك“، انظروا كيف سمى عيال الرجل عياله أيضا لأنه من رعاياه وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “أنا لكم مثل الوالد لولده” يعني في الرأفة والرحمة.

 

  • اتبع سياسة الإصلاح قبل الجباية، وتيسير أمور التجار والمزارعين بإقامة المشاريع الاقتصادية العامة مثل الجسور والقناطر والسواقي والطرق العامة وقنوات المياه الزراعية والإصلاح والتعمير وإحياء الأرض وإقامة المشاريع، وأمر ببناء المرافق العامة، والتي تسمى اليوم بمشاريع البنية التحتية، ولا تقوم التنمية إلا بهذه المرافق الضرورية من أنهار وترع ومواصلات وطرق. وقد أكد عمر على مبدأ الحرية الاقتصادية المقيدة بضوابط الشريعة، والتي يجب أن تسبق الجباية. فانتشر الناس في تجارتهم واستثمار أموالهم واهتم كذلك اهتمامًا بالغًا بالزراعة، حيث كان القطاع الزراعي من أكبر القطاعات على المستوى الفردي، وله مردود كبير على ميزانية الدولة، وقد جنى عمر والأمة كلها ثمرات هذه السياسة، فقد عمَّ الرخاء البلاد والعباد، قال رجل من ولد زيد بن الخطاب: “إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفًا وذلك ثلاثون شهرًا فما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم فما يجده، فيرجع بماله، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس“.
  • قمع محاولات التزوير أو العمل على التضخم المالي: وذلك لعمل توازن بين الأموال النقدية وحاجة السوق، ولحفظ القيمة الشرائية لعملة البلد، وعندما أتوا برجل إلى عمر بن عبد العزيز يضرب على غير سكة السلطان فعاقبه وسجنه وأخذ حديده فطرحه في النار.

 

  • وكان يمنع ولاته من الاتجار والعمل في التجارة وقال رحمه الله: “ونرى أن لا يتجر إمام ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصب أمورا فيها عنت وإن حرص على أن لا يفعل“.

 

  • زيادة الإنفاق على الفئات الفقيرة والمحرومة ورعايتها وتأمين مستوى الكفاية لها عن طريق الزكاة وموارد بيت المال الأخرى، وقد قام بتنفيذ هذه السياسة، حيث كانت سياسة عمر تهدف على إيصال الناس إلى حد الكفاية: فقد خطب الناس يوما فقال: “وددت أن أغنياء الناس اجتمعوا فردوا على فقرائهم حتى نستوي نحن وهم وأكون أنا أولهم“. وفي خطبة أخرى: “ما أحد منكم تبلغني حاجته إلا حرصت أن أسدَّ من حاجته ما قدرت عليه وما أحد لا يسعه ما عندي إلا وددت أنه بُدِئ بي وبلحمتي الذي يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم“. وقد طبق عمر قوله عندما أمر بقضاء دين الغارمين فكتب إليه عامله: “إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس والأثاث في بيته، فأجاب عمر: لا بدَّ للرجل من المسلمين من مسكن يأوي إليه رأسه وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، فهو غارم فاقضوا عنه“، فسياسة عمر التوزيعية تهدف إلى كفاية الناس من حيث المسكن والمركب والأثاث، وهي عبارة عن حاجات أساسية، وضرورية للإنسان تصعب الحياة بدونها.

 

  • وكان دائما يوجه كتبه لولاته يحثهم على العمل الدؤوب وأن يسعوا لما فيه استفادة في تشغيل أموال بيت المسلمين بما يعود بالخير على بيت مال المسلمين. فقام ببناء المشروعات التنموية المستمرة بالعطاء، وتسهيل مهمة المستثمرين، وتقديم القروض لهم، لضمان استمرار هذه المشروعات، حيث كلف الولاة بإعطاء القروض التي تزيد الإنتاج عند أفراد المجتمع. وبذلك نجح عمر بن عبد العزيز في ترسيخ عوامل الثقة في الإصلاح الاقتصادي على مستوى الراعي والرعية وحل مشكلة العجز المالي والمديونية التي كانت تعاني منها الدولة في عهد عبد الملك بن مروان، ونجح في تعزيز الالتزام الطوعي لقوانين الدولة وعالج مديونية الأفراد من الوفر المالي في الموازنة، ورفع مستوى الدخل للأفراد وحقق الرفاه الاجتماعي للمجتمع.

 

  1. عنايته الخاصة بالمزارعين والزراعة:

وكان له عناية خاصة بالمزارعين وراعى مدى المصاعب التي تجهدهم وتؤدي بهم غالبا للغرق في الديون، فاتبع سياسة وخطوات ترمي إلى تحسن حال المزارع وزيادة الإنتاج الزراعي للأمة وإليك تفصيل هذه الخطوات:

 

  • وضع المكوس “الضرائب” عن المزارعين، التي فرضها الخلفاء الأمويين قبله والتي أثقلت كاهل المزارعين بالديون، وكانت من الكثرة والتنوع بحيث اشتد الأمر على أهل الأرض فهجروها، وأضرَّ ذلك بمالية الدولة، فلجأ هؤلاء الخلفاء المكاسين إلى أساليب الاضطهاد في الجباية، فاضطر المزارعون إلى بيع دوابهم أو كسوتهم، وعندما تولى عمر ألغي جميع الضرائب المخالفة للشريعة، وكتب بذلك إلى العمال كتباً منها: “فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله، وسنة خبيثة استنها عليهم عمال السوء.. ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة، ليس لها آيين (رسوم مساحي أرض الخراج) ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصحف ولا أجور البيوت“.

 

  • وقد ألغى القبالة (الرجل المسؤول عن تحصيل الخراج يأخذ مقابل ذلك قدرا من المال من صاحب الأرض) وكانت مألوفة في البصرة، وألغى أسلوب الخرص؛ حيث كان العمال يقدرون الثمار بسعر عالٍ ويقبضونه نقدًا، وبذلك يرهقون الزراع، فقرر عمر وضع الضريبة حسب الأسعار الفعلية وكتب لعامله: “بلغني أن عمالك بفارس يخرصون الثمار ثم يقومونها على أهلها بسعر فوق سعر الناس الذي يتبايعون ثم يأخذون ذلك ورقًا على قيمتهم التي قوموها، وقد بعثت بشر بن صفوان وعبد الله بن عجلان للنظر في ذلك ورد الثمن الذي أُخذ من الناس إلى ما باع أهل الأرض به غلاتهم“.

 

  • وأمر عمر بإلغاء ضريبة ثابتة على أهل اليمن، كالخراج مع أن أرضها أرض عشرية، وكتب إلى عامله على اليمن: “أما بعد، فإنك كتبت إليَّ أنك قدمت اليمن فوجدت على أهلها ضريبة من الخراج مضروبة ثابتة في أعناقهم كالجزية يؤدونها على كل حال، أخصبوا أو أجدبوا أو حيوا أو ماتوا، فسبحان الله رب العالمين ثم سبحان الله رب العالمين، إذا أتاك كتابي هذا فدع ما تنكره من الباطل إلى ما تعرفه من الحق ثم ائتنف (ابتدئ) الحق فاعمل به بالغًا بي وبك وإن أحاط بمهج أنفسنا، وإن لم ترفع إليَّ من جميع اليمن إلا حفنة من كتم، فقد علم الله إني بها مسرور إذا كانت موافقة للحق والسلام“. ويلاحظ من كتب عمر إلى عماله الانحرافات السابقة الظالمة وإنكار عمر لها، وقد كان لها أثر اقتصادي سيء حيث جعلت أصحاب الأرض يضعفوا عن أرضهم ويتركوها فضعف الإنتاج وترتب على ذلك خسارة للبلاد ولبيت المال، وأما عمر بن عبد العزيز فكان مُصرًّا على تطبيق الحق ولو اذهب بنفسه، فهو لا يريد إيرادًا كثيرًا طالما جُمِعَ ظلما، فساهمت إصلاحات عمر رحمه الله في إلغائه للضرائب الجائرة إلى انتعاش اقتصاد الدولة.

 

  • وشجَّع عمر على إحياء الأرض الموات وعلى إصلاح الأراضي للزراعة، وكتب بذلك إلى عامله على الكوفة: “لا تحمل خرابًا على عامر ولا عامرًا على خراب، انظر إلى الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض“. وكتب عمر: “من غلب الماء على شيء فهو له“، وعن حكيم بن زريق قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي: “من أحيا أرضًا ميتة ببنيان أو حرث، ما لم تكن من أموال قوم ابتاعوها من أموالهم، أو أحيوا بعضًا وتركوا بعضًا، فاجز للقوم أحياءهم الذي أحيوا ببنيان أو حرث“، وحرص عمر على استغلال أرض الصوافي، ورأى أن “ملكيتها لبيت المال، ومنع الإقطاع منها وأمر بإعطائها مزارعة على النصف فإن لم تزرع فعلى الثلث، فإن لم تزرع فأمر بإعطائها حتى تبلغ العشر فإن لم يزرعها أحد فأمر بمنحها، فإن لم يزرعها أحد فأمر بالإنفاق عليها من بيت المال“.

 

  • وقضى عنهم ديونهم ورفع الضرر عنهم، ويُروى في ذلك أن جيشًا من أهل الشام مر بزرع رجل فأفسده، فأخبر الرجل عمر بذلك، فعوضه عشرة آلاف درهم، وكان يقدم القروض للمزارعين، فقد جاء في رسالته لواليه على العراق: “أن انظر مَن كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين“.

 

  • ومنع عمر الحمى الخاص وأباح هذه الأراضي للمسلمين جميعًا، لا تختص بها طائفة على أخرى وفي ذلك يقول: “ونرى أن الحمى يُباح للمسلمين عامة، وكانت تحمى وتجعل فيها نِعَمُ الصدقات، فيكون في ذلك قوة ونفع لأهل فرائض الصدقات، وأدخل فيها وطعن فيها طاعن من الناس، فنرى في ترك حماها والتنزه عنها خيرًا، إذا كان ذلك من أمرها، وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، وإنما هو الغيث ينزله الله لعباده فهم فيه سواء“، وعندما أباح الإحماء كلها استثنى النقيع الذي حماه الرسول عليه الصلاة والسلام لإبل الصدقة. فبالحمى تصبح الأرض لجماعة المسلمين، ونفعها مصروف لهم، فالحمى نقل الأرض من الإباحة إلى الملكية العامة، لتبقى موقوفة على جماعة المسلمين.

 

سياسة عمر بن عبد العزيز المالية في إيرادات بيت المال:

كما كان لنظام عمر بن عبد العزيز في اتباع هدي الخلفاء الراشدين في زيادة واردات بيت المال والذي تمثل برفع الظلم سواء كان قديما أو جديدا وترشيد ووقف هدر الأموال والمقدرات، ووضع المكوس عن الأمة والاكتفاء بالموارد الشرعية من زكاة وخراج وغيرها والإنفاق على الفقراء ومشاريع التنمية سواء الخدمية أو التي تتعلق بتنمية الزراعة والتجارة، كذلك اتبع سياستهم في إنفاق هذه الموارد على الأمة كالتالي:

  1. بدأ عمر سياسته المالية بزيادة الإنفاق على عامة الشعب خصوصا الفقراء إذ حظوا عنده بنصيب وافر، حتى أصبحت الصدقات في عهده لا تجد من يأخذها، فأنفق في رد المظالم حتى أنفد بيت مال العراق، وجلب إليه من الشام،
  2. وساوى بين الأمويين وبين الناس وقال: “لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد” وجعل العرب والموالي (العجم) سواسية في العطاء، وكان الأمويون يفضلون العرب. ومنع الولاة الذين يأخذون رواتب من تقاضي اعطياتهم،
  3. وأنفق على المشاريع الزراعية، ومشاريع البنى الأساسية،
  4. كما أنفق على الرعاية الاجتماعية لجميع طبقات الشعب،
  5. وكلما زادت الواردات، وجه عمر الفائض الزيادة على الإنفاق العام لزيادة التنمية الاقتصادية وإكفاء الأمة فلا يعود هناك سائلا.

 

وفي جانب الإيرادات:

  1. رفع الجزية عمَّن أسلم.
  2. وألغى الضرائب الإضافية التي كانت تُؤخذ من المزارعين، وألغى المكوس والقيود.
  3. كما حافظ على حقوق بيت المال المسلوبة، فأعاد إليه القطائع، والمظالم.
  4. وأوقف امتيازات الأمراء والموظفين.
  5. وبالغ في الاقتصاد في الإنفاق الإداري والحربي.

كل ذلك أدى إلى إطلاق الطاقات، فنمت الزراعة والتجارة، وجنى ذلك بزيادة ونمو الإيرادات، فزادت إيرادات الزكاة والخراج والعشور وفاضت ميزانية الدولة، فوجَّه عمر الفائض لزيادة الإنفاق العام لتحقيق الأهداف الاقتصادية، ونلاحظ في التاريخ كلما استقام أمر الدولة وسارت على نهج الشريعة الإسلامية الغرّاء فاض ميزانها المالي، ولم يشعر أفرادها بعسف ولا إرهاق، ولم تهمل مصلحة من مصالحها، وكلما أعوج أمر الدولة، وحادت عن سبيل الشريعة، اختل التوازن المالي، فميزانية الدولة مرآة عدلها وجورها ونظامها وفوضاها.

 

إيرادات بيت المال زمن عمر بن عبد العزيز:

  1. الزكاة:

تهاون الولاة قبل عمر بن عبد العزيز رحمه الله في الزكاة، حيث أخذوها من غير حقها، وصرفوها في غير مصارفها، فأدى ذلك إلى تهرب المسلمين من دفعها لهؤلاء الظلمة، ونقصان حصيلة أموال الزكاة، وبالتالي عانى مستحقوها الفقر والدين وما يجلب ذلك من بؤس ومصائب وهوان على مستحقيها.

لكن سيرة عمر وتقواه قد أثرت على دفع الزكاة للدولة مباشرة لزيادة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وهذا واضح من تدافع الناس لأداء الزكاة عندما سمعوا بخلافة عمر، فأدى إلى زيادة حصيلة أموال الزكاة وزيادة آثارها الاقتصادية عند إنفاقها في مصارفها. إن سياسة عمر في التزام نظام الإسلام من وقف هدر واردات بيت المال، ووقف استيلاء الفاسدين عليها، وإعادة المصادرات لبيت المال أولا، وحرصه على زكاة المسلمين لأنها حق فرضه الله للفقراء والمساكين والمنقطعين، والمستعبدين، ولا يجوز التهاون فيها ثانيا، واهتمَّامه بتوزيعها على مستحقيها ثالثا، كانت سببا أن يسعى الناس جهدهم لأداء حق المال الذي هو الزكاة إلى بيت مال المسلمين.

فأمر ولاته بالبحث عن مستحقيها وإعطائهم حقهم، وفي حالة عدم وجود فقراء أو مساكين أو محتاجين، أمر عمر بشراء رقاب المستعبدين واعتقاهم من مال الزكاة. وعزم عمر على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة، ومن مظاهر اتباعه للسنة فيها:

  1. طلبه لكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات، ولكتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمره بأن تنسخ هذه الكتب فنسخت له وكانت تشتمل على صدقة الإبل والبقر والغنم، والذهب، والورق، والتمر، والحب، والزبيب وبيّنت الأنصبة لكل هذه الأصناف.
  2. واتبع عمر السنة في مصارف الزكاة، فاستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60) ثم أمر أن توضع الصدقات كما أمر الله تعالى في كتابه.
  3. كما اتّبع عمر السنة في جباية الزكاة فعين عمالاً ثقاة مؤتمنين وأمرهم بجبابتها دون ظلم أو تعدٍّ وأمرهم بكتابة براءة إلى الحول لدافعها.
  4. وأمر عمر بأخذ الزكاة من جميع الأموال التي تجب فيها، فأخذت من عطاء العمال ومن المظالم إذا رُدّت لأصحابها، ومن الأعطية إذا أخرجت لأهلها.
  5. وأكد عمر على أحقية كل قوم بزكاتهم إذا لم يستغنوا، وعندما أحضر العمال الزكاة إلى عمر أمرهم بردّها وتوزيعها في البلاد التي جمعت منها.

ولقد ساهمت سياسته الاقتصادية إلى زيادة تحصيل الزكاة، فتوفيره لأجواء الأمن والطمأنينة، واهتمامه بإقامة المشاريع الأساسية للزراعة والتجارة، واتباعه لسياسة الحرية الاقتصادية حسب الشرع الإسلامي، وإلغاؤه للضرائب الظالمة، أدَّت جميعًا إلى ازدهار التجارة والزراعة وإلى زيادة حصيلة الزكاة، وقد كان عمر رحمه الله من الموسعين لإيتاء الزكاة، برز هذا من خلال فقهه في زكاة الثروة الزراعية، وزكاة الإبل العامة، وزكاة السمك، وزكاة العسل، وهذا الفقه من شأنه أن يزيد الأموال الخاضعة للزكاة، مما يؤثر على زيادة جبايتها وبسبب زيادة الدعوة زمن عمر، ودخول أهل الذمة في الإسلام أفواجًا فقد أدى ذلك لإسقاط الجزية عنهم وعن أملاكهم إلا أنه رفع من حصيلة الزكاة من أغنيائهم.

وتؤكد الروايات التاريخية أن الزكاة كانت فائضة عن حاجات الناس في ذلك الزمن، فكان الرجل يأتي بزكاته، فلا يجد مَن يأخذها، ومن أسباب هذا الفائض اندفاع أفراد المجتمع للعمل والإنتاج، فكثر عدد المؤدِّين للزكاة، وانخفاض عدد القابضين لها وبذلك صارت نسبة الفقر 0% وهو لم يحدث لأي دولة غير دولة الإسلام ولأي نظام غير نظام الإسلام، فتطور اقتصاد البلد يتم قياسه بنسبة الفقر ومستوى الدخل الذي ارتفع في زمن عمر ليكتفي الفرد فيكون عنده بيت ملك له، وخادم وفرس وسلاح لجهاده، وعطاء سنوي وأرزاق شهرية غير أملاكه وتجارته، فأين ذلك من الدول العظمى التي تفتخر باقتصادها ونسبة الفقر عندهم قد تزيد على 7% فلا يجدون طعامهم إلا من التوسل ناهيك عن انعدام مسكن يأويهم.

 

  1. ا لجزية:

الجزية في الاصطلاح: هي الوظيفة (الضريبة) المأخوذ من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، وقد قام عمر بن عبد العزيز باتباع السنة في إيراد الجزية، فقد أسقطها عمَّن أسلم، لأن الجزية فرضت على الكافرين وتسقط بالإسلام، ومع ذلك فقد استمر بعض خلفاء بني أمية في أخذ الجزية ممن أسلم، فأخذها الحجّاج لظنِّه أنهم دخلوا الإسلام هربًا من الجزية، ولقد أدى ذلك إلى زيادة النقمة على الحجَّاج وعلى الأمويين، وعندما تولى عمر الخلافة سارع إلى إلغاء الجزية عن المسلمين، وتشدَّد في ذلك، وكتب إلى العمال كتابًا جاء فيه “مَن شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه الجزية”. ولما سمع أهل الذمة عن عدالة عمر وسيرته سارعوا للدخول في الإسلام، فشكا عامله ذلك؛ لأنه أدى إلى نقصان الجزية، فأجابه عمر: “أما بعد، فإنَّ الله قد بعث محمدًا داعيًا ولم يبعثه جابيًا”، ولأن عمر اعتمد في سياسته على ترسيخ قيم الحق والعدل، ورفع الظلم عن أهل الذمة ورفق بمزارعيهم وفرض الجزية عليهم حسب المقدرة المالية للفرد، فجعلها على ثلاث طبقات للغني وللمتوسط وللفقير، وجعل صاحب الأرض يعطي جزيته من أرضه، والصانع يخرجها من كسبه، والتاجر من تجارته، وفرض الجزية حسب طاقة البلاد المالية، فجعلها على أهل الشام أكثر منها على أهل اليمن بسبب غناهم ويسارهم، ورفع الجزية عن الفقراء الذين لا يستطيعون دفعها، وأجرى عليهم رزقًا من بيت المال، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وخفَّضَ عمر الجزية عن أهل نجران حيث أمر بإحصائهم، فتبين له أن عددهم نقص إلى العشر، وجزيتهم بقيت كما هي، فأخذ منهم مائتي حلة بدلاً من ألفين، وأسقط جزية مَن مات أو أسلم، وقد كانت للإصلاحات في جباية الجزية آثار مالية لصالح بيت المال، فإسقاط الجزية عمن أسلم أدّى إلى زيادة الثقة بين الحاكم والمحكوم والشعور بالعدل والإنصاف، وبالتالي أدّى إلى إيقاف القلاقل والفتن التي كلَّفت الدولة نفقات طائلة، كما إنَّ إسلام كثير من أهل الذمة جعلهم يدفعون الزكاة بدل الجزية، والزكاة مقدارها أكبر، هذا مع استمرار دفع الخراج على الأرض، أما انتشار أجواء الأمن والعدل فقد زاد الإنتاج حيث اندفع الناس للإنتاج والتنمية.

 

  1. الخراج:

هو ما تأخذه الدولة من ضرائب على الأرض المفتوحة عنوةً أو الأرض التي صالح أهلها عليها. لقد ارتفع إيراد الخراج في زمن عمر بن عبد العزيز وبلغ مائة وأربعة وعشرين مليون درهم وكانت زمن الخليفة الذي قبله أربعون مليونا. وكانت هذه الزيادة في إيراد الخراج نتيجة لسياسته الإصلاحية خلال سنة فقط، فقد منع بيع الأرض الخراجية فحافظ على المصدر الرئيسي للإنتاج، كما اعتنى بالمزارعين، ورفع عنهم الضرائب والمظالم التي كانت تعوق إنتاجهم واتبع سياسة الإصلاح والإعمار وإحياء الأرض الموات، كما اهتمَّ ببناء مشاريع البنية الأساسية للقطاع الزراعي فبنى الطرق والقنوات، فمشاريع الطرق سهلت على المزارعين تسويق إنتاجهم، ومشاريع القنوات والآبار سهلت عليهم سقي محاصيلهم بكلفة أقل، كل هذه الإصلاحات الخراجية أثمرت في النهاية وأدَّت إلى ارتفاع الخراج زمن عمر، فقد بلغ خراج العراق في عهده مائة وأربعة وعشرين مليون درهم، وهذا المقدار أكبر مما جُبي في العهود السابقة، فقد بلغ خراج العراق زمن الحجاج أربعين مليون درهم، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مائة مليون درهم. أما خراج خراسان زمن عمر بن عبد العزيز فقد كان فائضًا عن حاجات الدولة وبلغ الخراج زمن عمر أقصى قدر ممكن أن يبلغه في الأحوال العادية. وهذا الارتفاع في مقدار الخراج يشير إلى قوة الدولة المالية، مما ساعد على تحقيق الأهداف الاقتصادية من دعم مشاريع البنية التحتية والمشاريع الإنتاجية والإنفاق على الطبقات الفقيرة والعاجزة، ذلك لأن إيراد الخراج يتسم بالمرونة من حيث مصارفه بعكس الزكاة فهي محددة المصارف.

 

  1. العشور:

في الاصطلاح: ما يؤخذ على تجار أهل الحرب وأهل الذمة عندما يجتازون بها حدود الدولة الإسلامية، فتؤخذ العشور من تجارة الحربي العُشر ومن تجارة الذمي نصف العشر، ولا تؤخذ في السنة لنفس المال إلا مرة واحدة ونصابها عشرون دينارًا للحربي ، وعشره للذمي، وقد اهتم عمر بن عبد العزيز بإيراد العشور فوضَّح مبادئها للعمال، وأمر بكتابة كتاب لدافعها لإعفائه منها للحول القادم، كما منع قبض العشور، والتي كانت تفرض على الناس بغير حق، وقد نشطت التجارة في عهده وتوافرت موارد جديدة للدولة واستطاع أن يوظفها للإنفاق العام وكانت الإجراءات التي اتخذها عمر لتنشيط الحركة التجارية كالآتي:

  • إلغاء الضرائب الإضافية التي كانت مفروضة على القطاع الزراعي: وقد انعكس هذا إيجابًا على القطاع التجاري في صورة انخفاض ملحوظ في أسعار السلع الزراعية، فزاد في الطلب عليها، وأحدث رواجًا في تجارتها، وفي ظل اقتصاد قوامه الزراعة فإن زيادة عرض السلع الزراعية وانخفاض أثمانها على النحو الذي واكب السياسة الرشيدة لعمر بن عبد العزيز أحدث رواجًا لا في التجارة فحسب، ولكن في بقية قطاعات الاقتصاد الإسلامي.
  • إلغاء الضرائب على القطاع التجاري، والاقتصار على العشور: وكان لهذا تأثير ايجابي على قطاع التجارة، وقد أدى إلى تشجيع مزاولة التجارة، وزاد من أرباح التجارة فزاد معها حجم المبادلات التجارية.
  • إلغاء أسلوب العنف في تحصيل مستحقات الدولة المالية على التجار وغيرهم: وهذا أيضًا من عوامل تشجيع التجارة وتنميتها.
  • عمل استراحات على طريق التجارات مع بلاد الشرق: ومطالبة الولاة على البلاد التي توجد بها هذه الاستراحات بأن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين المسافرين يومًا وليلة، وأن يتعاهدوا دوابهم على حساب الدولة ومضاعفة هذه المدة لمَن يشكو منهم علة، وبالنسبة لمن مرَّ بهذه الاستراحات وكان منقطعًا أو سُرقت تجارته أو تُلفت لأي سبب، فكان يُعطى من المال ما يكفيه للوصول إلى بلده، ولا يخفى ما كان بهذه التسهيلات والضمانات من عوامل تشجيع للتجار وللتبادل التجاري.
  • منع العطاء عن التجار: حتى تكون التجارة مصدر رزقهم الوحيد فيهتموا بها أكثر وينشطوا فيها، لا سيما وأن التجارة كانت في ذلك الوقت متعبة من حيث السفر، والترحال، لعدم توفر وسائل المواصلات المريحة التي نشاهدها اليوم.
  • قضاء ديون كل مَن أدان في غير سفه ولا سرف: ويدخل ضمنهم التجار إن لم يكونوا جلهم، وقد أدى هذا القرار إلى إقالة عثرات التجار الذين أفلسوا ومكَّنهم من العودة إلى مزاولة التجارة، وخاصةً تلك الفئة من التجار الذين بدأوا تجارتهم عن طريق اقتراض رأس المال المطلوب.
  • الحرص على ضبط ومعايرة وتوحيد المكاييل والموازين في كافة أنحاء الدولة: وجعل ذلك من مواد القانون الأساسي للدولة.
  • منع الولاة والأمراء من الاشتغال بالتجارة: حتى لا يكون في دخولهم السوق إفساد للمنافسة الشريفة بين التجار، أو تأثير على الأسعار لصالحهم، وحتى لا يكون هناك شبهات وتجاوز في حق الرعية حين ينشغل الحكام بأعمالهم وتجارتهم الخاصة. قال في كتاب له إلى عماله: “نرى ألاّ يتجر إمام، ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويعيب أموراً فيها عنت، وإن حرص ألاّ يفعل“، وبعد ثمانية قرون جاء ابن خلدون وكتب في مقدمته العظيمة بعد تجارب طويلة ودراسة واسعة ما يصدق عمر بن عبد العزيز في نظرته الثاقبة وحكمته البالغة قال: إن التجارة من السلطان مقترة بالرعايا معسرة للجباية.
  • منع الاحتكار، ومن ذلك: إعادته دكاكين بحمص كانت في يد مجموعة من أهل السوق، وكان ابن الوليد بن عبد الملك قد استولى عليها، وحولها إلى ملكية خاصة له، فنزعها وأعادها إلى أصحابها، وبهذا الموقف ووجود هذه الإجراءات الإصلاحية، ساهمت في ازدهار الحركة التجارية في عهد عمر بن عبد العزيز، وبذلك زادت حصيلة إيرادات العشور، وتوافرت موارد جديدة للدولة استطاع عمر أن ينفقها على الصالح العام.
  1. خمس الغنائم والفيء:

الغنيمة في الاصطلاح: ما استولى عليه المسلمون من أموال الكفار المحاربين عنوةً وقهرًا حين القتال، والفيء في الاصطلاح: كل مال وصل من المشركين من غير قتال ولا بإيجاف خيل ولا ركاب، فعندما تولى عمر الخلافة توجه لإصلاح الأوضاع الداخلية للدولة لذلك لم تكثر الفتوحات في زمانه، حيث استعاض عنها بالدعوة والقدوة الحسنة، فقد بعث بكتب للملوك والشعوب فدخل البربر في الإسلام بدون قتال، ولهذا لم تتحقق موارد كثيرة من خمس الغنائم زمن عمر، وما كان موجودًا في بيت المال منه كان مصدره الفتوحات السابقة. ومع ذلك فقد سعى لإصلاح موازنة خمس الغنائم، فقد جعل للخمس بيت مال مستقل عن الأموال الأخرى، وأمر بوضعه في مواضعه المذكورة في سورة الأنفال، وآثر به أهل الحاجة منهم حيث كانوا. وقد أمر بعشرة آلاف دينار من سهم ذوي القربى فقسَّمها في بني هاشم وساوى بين الذكر والأنثى، والصغير والكبير، فكتبت إليه فاطمة بنت الحسين تشكر له ما صنع وتقول: يا أمير المؤمنين قد أخدمت مَن كان لا خادم له واكتسى منهم مَن كان عاريًا، واستنفق من كان لا يجد ما يستنفق، ولقد تمسك عمر في حق الخمس، فلما فتحت الأندلس قبل خلافة عمر لم يخمسوها، فأمر عامله عليها أن يبين العنوةَ من أرضها ويأخذ منها الخمس.

وأما في تصرفه في الفيء، فقد كان متبعًا للقرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، فقد كتب كتابًا ذكر فيه عن الأموال والقرى التي أفاء الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ، واستدل بآيات سورة الحشر التي نزلت في ذلك، وبيَّن أن ما من أحد من المسلمين إلا له حق في الفيء، فقد ذكرت الآيات المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم من المسلمين بعد الهجرة الأولى حتى تنقضي الدنيا. وهو بذلك كان موافقًا لاجتهاد عمر بن الخطاب في جعل الفيء موقوفًا على أجيال المسلمين. ونظر عمر في مصارف الخمس فوجدها موافقة لمصارف الفيء، فرأى أن يضمه إليه كما فعل عمر بن الخطاب، ويصرف منها على جميع مصالح المسلمين، وكتب في ذلك كتابًا: “وأما الخمس فإن من مضى من الأئمة اختلفوا في موضعه، ووضع مواضع شتى فنظرنا فإذا هو على سهام الفيء في كتاب الله لم تخالف واحدة من الاثنتين الأخرى، فإذا عمر بن الخطاب رحمه الله قد قضى في الفيء قضاءً قد رضي به المسلمون، فرض للناس أعطية وأرزاقًا جارية لهم، ورأى أن لن يبلغ بتلك الأبواب ما جمع من ذلك، ورأى أن فيه لليتيم والمسكين، وابن السبيل، فرأى أن يُلحق الخمس بالفيء وأن يوضع مواضعه التي سَمَّ الله وفرض. فاقتدوا بإمامٍ عادلٍ فإن الآيتين متفقتان آية الفيء وآية الخمس، فنرى أن يُجمعا جميعًا فيُجعلا فيئًا للمسلمين ولا يستأثر عليهم“.

لقد ساعدت إصلاحات عمر في إيرادات الخمس والفيء على تحقيق أهداف سياسته الاقتصادية، فتوزيعه للخمس على الأسهم المذكورة في القرآن مع إيثاره لذوي الحاجة أينما وجدوا ساعد على تحقيق إعادة توزيع الدخل والثروة، وشعر الناس بالعدل وزوال الظلم، بسبب هذه السياسة الرشيدة السديدة.

 

سياسة الإنفاق العام لعمر بن عبد العزيز:

  1. إنفاق عمر على الرعاية الاجتماعية:

لتحقيق هدف إعادة توزيع الدخل والثروة سعى عمر إلى زيادة الإنفاق على الفقراء والمحتاجين، وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية لهم، وهذه مطالب شرعية جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولقد اهتمَّ منذ الأيام الأولى لخلافته باتباع الشرع والتزام الحق والعدل، فأرسل إلى العلماء يستفسر وقد كتب ابن شهاب الزهري لعمر كتابًا عن مواضع السنة في الزكاة ليعمل بها عمر فذكر فيها: “إن فيها نصيبًا للزمنى والمقعدين (أصحاب العجز الأصلي) ونصيبًا لكل مسكين به عامة لا يستطيع عَيْلة وتقليبًا في الأرض (أصحاب العجز الطارئ كالعامل الذي يُصاب في عمله والمجاهد الذي يصاب في الحرب). ونصيبًا للمساكين الذين يسألون ويستطعمون الغني حتى يأخذوا كفايتهم ولا يحتاجون بعدها إلى سؤال، ونصيبًا لمَن في السجون من أهل الإسلام ممن ليس له أحد، ونصيبًا لمَن يحضر المساجد الذين لا عطاءَ لهم ولا سهم (أي ليست لهم رواتب ومعاشات منتظمة) ولا يسألون الناس، ونصيبًا لمَن أصابه فقر وعليه دين ولم يكن شيء منه في معصية الله، ولا يُتهم في دينه، ونصيبًا لكل مسافر ليس له مأوى، ولا أهل يأوي إليهم، فيؤوى ويُطعم وتُعلف دابته حتى يجد منزلاً أو تُقضى حاجته“.

 

  1. إنفاق عمر على الرعاية الاجتماعية:

اعتنى بالفقراء والمساكين، وسعى إلى إغنائهم، ففرض للفقير الجائع والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فأعطى لرجل ذي عيال خمسمائة دينار حتى يخرج عطاؤه، وأعطى الأرامل وبناتهن، وخصصّ عمر دارًا لإطعام الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، واعتنى بالمرضى وذوي العاهات والأيتام، فقد كتب كتابًا إلى أمصارِ الشام: “ادفعوا إليَّ كل أعمى في الديوان أو مقعد، أو من به فالج، أو من به زمانة، تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة، فرفعوا إليه، فأمر لكل أعمى بقائد، وأمر لكل اثنين من الزمنى بخادم، ثم كتب ارفعوا إليّ كل يتيم، ومن لا أحد له، فأمر لكل خمسة بخادم يتوزعون بينهم بالسوية”.

 

  1. الإنفاق على الغارمين:

كتب ابن شهاب الزهري لعمر عن سهم الغارمين: “لمَن يصاب في سبيل الله في ماله، ولمَن أصابه فقر، وعليه دين لم يكن شيء منه في معصية الله، ولا يُتهم في دينه”، فأمر عمر بقضاء الدين عن الغارمين، فكتبوا إليه، إنا نجد الرجل له المسكن، والخادم، وله الفرس والأثاث في بيته، فكتب عمر: “لا بد للرجل من المسلمين من سكن يأوي إليه رأسه، وخادم يكفيه مهنته وفرس يجاهد عليه عدوَّه، وأثاث في بيته، وإلا فهو غارم فاقضوا عنه”. وكتب إلى والي الكوفة وقد اجتمعت عنده أموال فسأل عمر عنها فأجاب: “كتبت تذكر أنه قد اجتمعت عندك أموال بعد أعطية الجند، فأعط منهم مَن كان عليه دين في غير فساد، أو تزوَّج فلم يقدر على نقد والسلام، وكتب كتابًا قُرء في مسجد الكوفة: من كانت عليه أمانة لا يقدر على أدائها فأعطوه من مال الله، ومن تزوَّج امرأةً فلم يقدر أن يسوق إليها صداقها فأعطوه من مال الله”.

 

  1. الإنفاق على الأسرى:

اهتمَّ عمر بن عبد العزيز بالأسرى وبالإنفاق عليهم من بيت مال المسلمين، وفكّ رقاب الأسرى، وعالَ أسرَهُم في أثناء غيابهم، واهتمَّ بالسجناءِ في سجون المسلمين بسبب جرمٍ أو قصاص، فأمر عمر برعايتهم والإنفاق عليهم وكتب عمر إلى العمال: “لا تدعُنِّ في سجونكم أحدًا من المسلمين في وثاقٍ لا يستطيع أن يصلي قائمًا، ولا يبيتنّ في قيد إلا رجل مطلوب بدم، وأجروا عليهم من الصدقة ما يُصلحهم في طعامهم وإدامهم”. وأمر لأهل السجون برزقٍ وكسوةٍ في الصيف والشتاء.

 

  1. الإنفاق على المسافرين وأبناء السبيل:

فأمر عماله ببناء بيوتِ الضيافة على الطرق لرعاية المسافرين والاهتمام بهم، وكتب إلى أحد عمَّاله: “اعمل خاناتٍ في بلادك، فمن مرَّ بك من المسلمين فأقروهم يومًا وليلة وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علَّة فأقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعًا به فقوّوه بما يصل به إلى بلده”، وأمر عمر بالاهتمام بالحُجَّاج، والإنفاق عليهم ورعاية ضعيفهم وإغناء فقيرهم.

 

  1. الإنفاق لفك الرقاب:

بعد أن أنفق عمر على الفقراء والمساكين، والعاجزين، والغارمين وأبناء السبيل وأسرى المسلمين وجَّه الأموال لفك رقاب المستعبدين، وقال عامل صدقات إفريقية: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرًا، فاشتريت بها رقابًا وولاؤهم للمسلمين.

 

  1. الإنفاق شمل جميع فئات الأمة:

فشمل العلماء واعتنى بذلك عناية عظيمة، لكي يتفرغوا لدعوةِ الناس وتعليمهم، وشمل الإنفاق جميع فئات الأمة حتى الأطفال الصغار وحدّد لهم مبلغًا من المال ليستعين به ذووهم على تربيتهم، واهتمَّ بمواطنيه من أهل الذمة، فكان ينفق على فقرائهم ومحتاجيهم من بيت المال، فساهمت سياسة عمر بن عبد العزيز الراشدة في إغناءِ عددٍ كبيرٍ من المسلمين وزيادة ثرواتهم في المجال التجاري والزراعي وغيرها، وساهمت في سريان روح التدين وحب الآخرة في نفوس الناس ورغبوا في الإكثارِ من فعل الخيرات ابتغاء مرضات الله تعالى والرغبة فيما عند الله، فكثر الإنفاق في سبيلِ الله لمساعدة الفقراء والمساكين والأرامل وبناء المرافق العامة وحفر الآبار، وتشييد المساجد وغير ذلك، وهذا يُخفف الأعباء المالية على بيتِ مال المسلمين في العاصمة وأقاليمها الواسعة.

 

________________________

  • عمر بن عبد العزيز معالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة – تأليف الدكتور علي محمد محمد الصلابي
  • الدولة الأموية عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار الشيخ الفاضل الدكتور علي محمد محمد الصًّلاَّبيَّ
  • عمر بن عبد العزيز وتحقيق الرفاه الاقتصادي – موقع الخليج – د. زينب صالح الأشوح
  • سيرة عمر بن عبدالعزيز – محمد بن عبد الله بن عبد الحكم