الشيخ نائل بن غازي

 

لقد مضت سنة الله تعالى القدرية أنّ المحن كاشفات عن معادن الأشياء وحقيقتها، فمنها ما يزداد بها متانةً وأصالةً، ومنها ما يذوب ذوبان الشوائب غير المحمودة في أصلها ولا في تراكيبها وإلفها.

وإنه مما لاشك فيه أن سنة المدافعة مسفرة عن طبائع الناس، كاشفة عن حقيقتهم، مظهرة لمدى نضجهم وثباتهم، وقد تتنوع في مسيرتها الأدواء وترى فيها ما لا تحسب أن يكون ولا في مخيلة النائم على رهق!

ولقد مرت الأمة بظروف أصعب مما تمر عليه الآن بمراحل عديدة؛ بل هي أسوأ وأظلم؛ وعبارات المدونين لتلك الحقب لازالت مرسومة بمداد القهر في كتب التاريخ، ترشد المستبصر للحال التي عاشتها الأمة الإسلامية على مدار مدافعتها للباطل بخيله ورجله حتى كُسرت أقلام التدوين وظن ضعاف الإيمان أنها النهاية التي لن تقوم للإسلام بعدها دولة ولا قيامة.

ولم تخل المعركة يوماً من قائمين للعدو في الصف إرجافاً وتثبيطاً للناس عن القيام بواجب المدافعة والمجاهدة تحقيقاً للفرض العيني اللازم، وقتلاً بالتشكيك في معاني الثقة بنصر الله تعالى وأن الأمور بيده يقلبها كيف يشاء، سيراً على سيرة الأقدمين حذو النعل بالنعل ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، ﴿قَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ وكأنهم لم يدركوا معاني النصر في الكتاب المبين وأن الإقامة على ثغور الجهاد ضرب من أعظم ضروب النّصر وسبب رئيس لمقدماته.

ولما كان لكل مرحلة علماؤها ورجالها فقد قضى الله تعالى أن يبقى في الناس على المدى علماء يأخذون بيد الناس إلى حيث تتبع السنن ومراقبة النصر كأنه غداً ثقة بالله تحقيقاً لا تعليقاً؛ سيراً على سيرة الأوائل ثقةً ويقيناً ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.

وتلك الشواهد الحاضرة غير البعيدة ترشدك لتلك المعاني التي لا تقبل الشك إلا على أجندات النفاق أو الجهل على أحسن حال تغليبا للظن الحسن. وإن من عظيم نعم الله تعالى على أمة الإسلام، أن جعل الجيل فيها يراقب تشكيل عوامل النصر ويعيش لحظاته، تخطه تضحيات أبنائها في بقاع المدافعة مع العدو الصائل المحتل، ومعاينة خزيه وهزيمته واندحاره.

لتعيد صياغة منظومة النظر لحقيقة الوعد الإلهي ويقين تحققه لا محالة إن استُجمعت أسبابه. فعلى أرض الجهاد، وساحة الاستشهاد، وميدان مرافقة السيف للكتاب الهادي، أعلنت الإمارة الإسلامية في أفغانستان قيام إمارتها أذاناً بعهد جديد لا ظلم ولا عمالة ولا احتلال فيه، بعد استنفاذ الوسع في توسل أسباب النجاح الشرعية المرضية، وجاء دور العاملين من المسلمين –فرادى وجماعات- في استكمال المسيرة مع إخوانهم، لتثبيت النصر، ومشاركة الأجر –حسبةً لله وقياماً بالفرض العيني الواجب- فأحسن التذكير مع ذلك.

لماذا يجب أن ننتصر للإمارة الإسلامية والاعتذار لها؟ لأنّ الانتصار لها جزء من حقيقة الإيمان المتمثلة بالولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين قال الله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. فالانتصار حتمٌ واجب على كل مسلم بالممكن المستطاع، ولا عجز في زمن فشوِّ وسائل التواصل، فالكلمة ونشر قضيتها، والتحريض لها، والانتصار لها، والذب عنها والاعتذار لاجتهاداتها، لا يعجز عنه المسلم.

لأن الانتصار لها استكمال لمسيرة الجهاد، المتمثلة في بناء المؤسسات، وتثبيت عوامل القوة وتمكينها. فالمعركة لم تضع أوزراها بعد، ولازال المسلم مطلوباً منه أن يحقق الانتصار في معركة البناء الواجب، والتي رُفعت فيها شعارات نقض التبعية، ونفض اليد من القوى الأرضية التي تمثل جزء من مشروع الابتزاز لتحصيل ما لم تحصله الآلة العسكرية على مدار عشرين سنة، فلزم المسلم أن ينتصر للإمارة جهاداً ودفاعاً، في مسيرة البناء، فكسر الحصار وتخفيف آثاره فرض واجب على كل مسلم قادر على المستوى الرسمي المؤسساتي، أو المستوى الفردي بالممكن المستطاع.

لأن الانتصار للإمارة الإسلامية انتصار لمعركة المبادئ والحق الأصيل في مواجهة معركة المصالح التي أذيبت في ساحاتها كل قيمة ومبدأ. وما معركة الاعتراف بالإمارة الإسلامية إلا خلاصة هذه المعركة الكبيرة التي تجاهد فيها المبادئ غزو القيم الأرضية والمصالح الذاتية على حساب كل حق أصيل. للإمارة الإسلامية الحق في نيل الاعتراف الذي لا تستجديه، وعلى المسلم أن يساهم في هذه المعركة بشتى السبل والوسائل، وقد أثبتت التجارب على المدى القريب والبعيد أن المسلمين قادرون على إمكانية التغيير وفرض غاياته، إذا عزموا عليه وقادوه بطرق منظمة ذات تأثير، فبذل الوسع في التخطيط والدعم حتم لازم لا يحل التخلي عنه، أو استبطاء توسله.•

لأن الانتصار للإمارة يمثل انتصاراً للمشروع الإسلامي في وجه الهيمنة الغربية الساعية لصياغة الجيل على أرضية الاستسلام وقبول الرضوخ والإيمان بالعجز التام عن التغيير، وكسراً لحلقات سياسة الإفشال المتعمد. لم تحرر الإمارة الإسلامية ثرى أفغانستان فحسب؛ وإنما رفعت بالجلاء أغلال إصر العجز المضروب زمناً على عقلية الجيل؛ وبددت معه غيوم الإيمان المغشوش المصنوع على يد الطغاة والمحتلين، القاضي بفرض المستحيل كجزء من فروض يوم المسلم، والتي كبلت معه كل طاقة، وأهدرت معه كل مقدرات، واغتيلت معه كل قدرات، فجاءت الإمارة ومعها الفتح للأرض والعقل، فكان الانتصار لها انتصاراً واجباً وجزء من حسن العهد، وتمام الوفاء.

لأن الانتصار لها يمثل بعثاً لليقين وتجديده في زمن الهزائم، فالتجربة ملهمة مثبتة، والساحات الجهادية رأت في نصر الإمارة رسالة تحقيق الوعد ويقين الوصول، فصنع الفتح ما لم تصنعه كل التقريرات والتوجيهات، وأن الفتح ممكن وقريب وإن تعاظمت قوة الباطل، فتعين الانتصار لها رداً لجميل التثبيت المصوغ على أسنة الرماح، ومنابر التضحية والفداء.

لأن الانتصار لها مساهمة في ترسيخ النظرة الشرعية الصحيحة لقضية سياسة الدول، وصياغة المنظومة المفاهمية الرشيدة، بتقديم نموذج رشيد في الحكم يمثل حالة اتزان بين الجفاء والغلو في المفاهيم. فهي “إمارة إسلامية” تحمل رسالة طهر الوسيلة ونقاء الغاية في الحكم والعدل والعفو والحفاظ على الأنفس والأعراض والأموال عدل كلها، فهي ليست دولة مدنية تزاحم فيها الاجتهادات العقلية النصوص القطعية؛ وهي كذلك ليست دولة دينية بالمفهوم الكنسي المرتبط بتاريخ محاكم التفتيش، وتسلط الأباطرة على حريات الخلق بتشريع الهوى في قوالب النصوص العقلية المخترعة.

لأن الانتصار لها انتصار لحقيقة النصر في زمن تسويق الوهم والخداع. فقم ولا تنزل عن الجبل فلازالت المعركة قائمة، وخذ من الثغور ما تحسن ويجب ولا تعتذر، فالعجز الحرام حرامٌ صحبته.