رغم الجراح والطِعان التي أدمت جسدها والأزمات التي أثقلت كاهلها؛ لم تنسَ كابول شقيقتها القدس، شقيقة الدين والقضية والدرب، وهي في خطاها الأولى على طريق الاستقلال والتحرر من الاحتلال الأمريكي الظالم الذي استمر عشرون عاماً. كانت القدس حاضرة في ضمير العاصمة الأفغانية كابول عندما افتتحت بلديتها يوم الأربعاء 18 مايو، مجسماً لمسجد قبة الصخرة على دوار المنطقة الأمنية الخامسة غرب المدينة، بمساحة 17 متراً مربعاً، وبارتفاع 9 أمتار.

ولبيت المقدس مكانة عظيمة في نفوس المسلمين؛ فهي أولى قبلتيهم، وفيها ثالث الحرمين الشريفين بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفيها مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [سورة الإسراء:1].

جاء إنشاء المجسم ذو القبة الذهبية المتلألئة، في أحد أكثر مناطق العاصمة الأفغانية حركة وحياة، ليؤكد على وحدة الأمة الإسلامية ووحدة قضاياها العادلة، وتذكيراً بالأخطار المحدقة والانتهاكات المتكررة التي يتعرض لها الحرم القدسي الشريف في مدينة القدس المحتلة.

إن تذكير المسلمين بقضاياهم الأساسية وربطهم بها وجعلها حاضرة في أذهانهم وحيّة في وجدانهم لهو واجبُ شرفٍ على كل مسلمٍ حرٍ أبيّ، لا سيما في الوقت الراهن الذي يتعرض فيه المسجد الأقصى لأبشع أنواع الاعتداءات على الصعيد الأمني والفكري والعقدي.

 

وأفغانستان الحرة إذ تشق دربها اليوم نحو تنمية البلاد وتطوير بنيتها التحتية والنهوض بها من جديد بعد سنين عجاف من الحروب الطاحنة والصراعات الدامية؛ تستحضر انتباه أبناء الأمة الإسلامية وتلفت أنظارهم إلى معركتهم الأولى وميدان عملهم الأساسي؛ حماية مقدساتهم في فلسطين المحتلة.

وهذا مما لا يُستغرب على الأفغان، فعلى مرّ التاريخ أثبتوا دوماً أن عاطفتهم الدينية ونبلهم ووفاءهم وشهامتهم وحماسهم للإسلام، طباعٌ أصيلة فيهم لا دخيلة، كما وصفهم أمير البيان شكيب أرسلان بقوله: “لو لم يبقَ للإسلام في الدنيا عِرْقٌ ينبضُ، لرأيتَ عِرْقه بين سكان جبال الهمَلايا والهندكوشْ نابضاً، وعزْمَه هناك ناهضاً”.

وهاهم يثبتون مجدداً أنهم خير خلف لخير سلف، وأنهم التلامذة النجباء للملا محمد عمر المجاهد (رحمه الله)، وأنهم رئة الأمة الإسلامية التي تتنفس بها أريج العزة والأنفة وقلبها الحي النابض الذي لا يموت ولا يتوقف.